الصحوة – علي الحداد
في الزمان الذي كانت فيه الرياحُ تمتحنُ أشرعةَ الملوك،
خرج من بين أمواجِ التاريخِ صوتٌ عُمانيٌّ عميق،
يحملُ نبرةَ الحكمةِ والهدوء،
وصورةَ سلطانٍ آمنَ أنَّ التوازنَ هو سرُّ البقاء،
هو السلطان فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي،
وريثُ سلالةٍ صنعت من الحكمةِ عرشًا،
ومن النورِ طريقًا إلى المجد.
من رحمِ المجد .. يولد الحُكم
وُلد السلطان فيصلُ في زمنٍ كانت فيه عُمانُ تُعيدُ رسمَ ملامحها بعد مدٍّ طويل،
نشأ بين البحرِ والجبلِ، بين قصورٍ تروي تاريخَ الرجال،
وساحاتٍ تشهدُ على دروسِ الصبر.
علّمه والده السلطان تركي أنَّ القيادةَ ليست صوتًا عاليًا،
بل نظرةٌ تعرفُ متى تصمتُ لتُصغي إلى الأرضِ وهي تتنفّس.
في طفولتهِ، كان يُديرُ بعينيهِ المرافئ،
ويراقبُ المراكبَ وهي تخرجُ من مسقطَ إلى الدنيا،
تُبحرُ بالتوابلِ واللبان، وتعودُ بالقصصِ والحكايات.
تلك الحكاياتُ صنعت في قلبهِ وعيًا مبكرًا،
بأنّ عُمانَ لا تُحكمُ بالقوة، بل تُدارُ بالعقلِ والهيبةِ والصبر.
عرشٌ من هدوءٍ وحكمة
حين تولّى الحكمَ في عام 1888،
كان شابًا في الرابعة والعشرين،
لكنّ في عينيه وقارَ الرجال الذين خبروا الحياةَ أكثر مما عاشوها.
جلسَ على العرشِ لا ليحكمَ البلادَ بقبضةٍ من حديد،
بل ليُعيدَ إليها ميزانَ الاتزان.
وحين بايعهُ أخوه فهد، وحين باركتهُ القبائلُ،
كان التاريخُ يُدركُ أنّ عُمانَ على موعدٍ مع سلطانٍ من طرازٍ فريد.
ميزانُ السياسة .. وتوأمُ الدبلوماسية
السلطان فيصلُ لم يكن سلطانًا فقط،
بل كان رجلَ دولةٍ يزنُ المواقفَ بميزانٍ من رويّةٍ ونور.
رأى العالمَ من نافذةِ مسقط،
فعرفَ أنَّ القوةَ الحقيقيةَ ليست في البنادق،
بل في القدرةِ على أن تجعلَ من أعدائك شركاء، ومن خصومك حلفاء.
أدار علاقاتِه مع بريطانيا بدهاءِ النخيل،
ينحني للريحِ حين تهبُّ، لكنه لا ينكسر.
ولمّا حاولت فرنسا أن تزرعَ ظلَّها في الموانئ،
أدرك السلطان فيصلُ أنّ الحيادَ الذكيَّ هو أبلغُ ردٍّ من الصدام.
فكان بين المطرقةِ والسندان،
لكنّه خرجَ من كليهما نقيًّا،
كصخرةٍ لا تُكسرُ ولا تُباع.
السلطان .. الذي رسمَ للحداثةِ طريقًا
لم يكن السلطان فيصلُ حاكمًا تقليديًا،
بل رجلَ دولةٍ أدرك مبكرًا أن الإدارةَ ضرورة.
كان يرى في التنظيمِ فنًّا يُعادلُ الشعرَ في موسيقاه،
وفي النظامِ جمالًا يُقاربُ الفنَّ في دقّته.
في عهدهِ، انطلقت مسقطُ نحو زمنٍ جديدٍ من التحديث،
ففي عام 1901م دخلت خدماتُ البرق التلغراف،
لتربطَ العاصمةَ بالعالمِ بوميضٍ من سلكٍ نحاسيٍّ يحملُ الأخبارَ والرسائل.
وفي 1909م وُضعَ حجرُ الأساس لمستشفى مسقط الخيري،
ليكونَ منارةَ رحمةٍ وإنسانيةٍ تداوي الجسدَ كما تُطمئنُ الروح.
وفي عام 1911م أُنشئ معملُ الثلج الوطني بمسقط،
رمزًا لولادةِ عصرٍ صناعيٍّ محليٍّ في أرضٍ عُرفت بحرارتها وشمسها الوهاجة.
ولأنّ السلطان فيصلَ كان يرى في العملِ الجماعيِّ صورةَ الوطنِ المتماسك،
شهدَ عهده إشهار جمعية الإخاء،
التي رأسها ابنُه السيد تيمور بن فيصل،
حاملةً روحَ التعاونِ والخدمةِ العامة قبل أن تُعرف تلك المفاهيم بلُغةِ القوانين.
السلطان المفكر .. حين يصبح القصرُ منبرًا
لم يكن قصرُ فيصل قصرًا للحُكم،
بل مدرسةً للفكرِ والحوار،
تتجاورُ فيها الكتبُ مع السيوف،
ويجلسُ فيها العالمُ إلى جوارِ الشاعرِ والرحّالةِ والضيفِ الغريب.
كان يُحيطُ نفسهُ بكوكبةٍ من الأدباء والعلماء:
الزبير بن علي، وابن شيخان السالمي، وأبو الصوفي،
وصالح بن عامر الطائي، وراشد بن عزيز الخصيبي، وغيرهم.
كانوا يملأون مجلسه شعرًا، ونقاشًا، وحكمةً.
يرون فيه راعيَ الفكرِ كما يرون فيه حاكمًا يعرفُ كيف يُصغي.
وفي عهدهِ، أصبحت مسقطُ وجهةً لزوار الفكرِ من أنحاء العالم العربي،
جاءها محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار،
وجاءها الصحفي قاسم الهمايوني،
والمفكر هبة الله الشهرستاني،
والقسّيس مار أثناسيوس نوري،
وغيرهم من الباحثين عن الضوء في بلاط سلطانٍ عربيٍّ متنوّر.
حوارُ الأديان والعقول
يصف هبة الله الشهرستاني لقاءَه بالسلطان قائلًا:
أما هو فرجلٌ كهلٌ حسنُ الأخلاق جدًا، لطيفُ المعشر،
لا يُرى إلا باسمِ الثغر، كأنّهُ مملوءٌ نشاطًا وأريحية،
لم أجد في ملوكِ العربِ مثله، ورأيتُ رعاياهُ يفادونهِ بالمالِ والروح.
وقد ألّف بعد لقائهِ به مخطوطتَه الشهيرة فيصل الدلائل في أجوبة المسائل،
يسجّلُ فيها حواراتٍ فلسفيةً ودينيةً جرت في مجلس السلطان،
حيث الفكرُ يُسألُ لا ليُدان، بل ليُفهم.
أما القسّيس مار أثناسيوس نوري، فقد كتبَ بدهشةٍ عن أجواءِ الحريةِ الفكرية في بلاط السلطان فيصل:
طالَ بيننا الجدالُ في قضايا الدين، ولم يُبدِ السلطانُ إلا البشاشةَ والفرح،
حتى إنّ أحدَ وزرائهِ كان يسألني بحريةٍ كاملة،
فقال له السلطانُ ضاحكًا: يا عليّ، إنك تفتحُ أبوابًا ولا تدري كيف تقفلها!”
ثم يُضيف أثناسيوس في شهادته:
كدنا لا نُصدّق أن حريةَ الأديانِ مطلقةٌ في هذه البلاد إلى هذه الدرجة،
حتى إنّ للبروتستانت مكتبةً دينيةً في سوق البلدة،
يبيعون فيها كتبًا تُخالفُ العقيدةَ الإسلامية،
وليس من معترضٍ ولا مانعٍ،
فتَعجّبنا من هذا التسامح الذي لم نره في غيرها من الأقطار.
حينَ يزهرُ الصبرُ وطنًا
واجه السلطان فيصلُ في عهدهِ تمرداتٍ وأزماتٍ،
لكنّه واجهها كما يُواجهُ الحكيمُ العاصفة:
بالعقلِ لا بالسيف.
كان يعرفُ أنَّ النصرَ الحقيقيَّ هو أن تبقى الدولةُ قائمةً بعد أن تنطفئَ المعارك.
أعاد تنظيمَ الجيشِ،
حصّن القلاعَ،
ورسمَ خطوطَ الأمانِ على خرائطِ القلوب، لا على الورق.
رحيلٌ خالد
وفي الخامسَ عشرَ من أكتوبر عام 1913،
انطفأ في مسقطَ قنديلٌ من حكمة،
لكنّ نورهُ لم يغب.
رحلَ السلطان فيصلُ كما عاشَ:
هادئًا، واثقًا، لا يتركُ وراءه إلا أثرَ توازنٍ وسلام.
وخلفَهُ ابنُهُ السيد تيمور، الذي سارَ على خُطاه،
ليُكملَ سلالةَ النورِ والاعتدال.
صدى الحكمةِ الذي لا يخبو
ترك السلطانُ فيصلُ بن تركي لعُمانَ وعيًا عميقًا بأنَّ الدبلوماسيةَ هي بوصلةُ البقاء،
وأنَّ الحُكمَ ليس سلطةً تُمارَس، بل ثقةٌ تُبنى بين الحاكمِ والشعب.
لقد عاشَ في زمنٍ مضطربٍ، لكنّه حوّلَ الاضطرابَ إلى لحنٍ من اتزان،
وصاغَ من التحدياتِ سُلّمًا إلى المجد.
وفي ذاكرةِ العمانيين،
يبقى اسمُهُ يشبهُ نغمةَ العودِ الأولى،
تُذكّرهم بأنَّ الوطنَ الذي يُدارُ بالحكمة،
لا تعرفُ العواصفُ طريقَه.
سلامٌ عليك أيها السلطانُ فيصل،
يا من جعلتَ من الصبرِ سيفًا،
ومن الحلمِ علمًا،
ومن عُمانَ سيدةَ التوازنِ بين الشرقِ والغرب.
تبقى سيرتُك لحنًا من ثباتٍ وعقل،
يتردّدُ في أروقةِ التاريخ،
كما يتردّدُ نسيمُ البحرِ في مرافئ مسقط وصحار وصور وصلالة .



























