حصريٌّ لـ«الصحوة» – في أقصى الشمال لسلطنة عُمان تتربّع “جزيرة سلامة وبناتها” كأحد أبرز المعالم البحرية التي ارتبطت بوجدان البحّارة والسفر عبر القرون. هذا الأرخبيل الصغير الذي يقع على بعد تسعة أميال من رأس مسندم، لم يكن مجرّد تشكيلات صخرية تتوسط الماء، بل كان -وما زال- علامة نجاة و”إعلان وصول” لكل من يقطع عباب البحر في طريقه من وإلى مضيق هرمز.
على امتداد التاريخ البحري لمسندم، ظلّ مضيق هرمز ممراً مهيبًا تتصارع عنده التيارات العاتية وتتعاظم فيه مخاطر الملاحة، حيث كانت السفن الخشبية القديمة تُكابد أمواجًا شاهقة ومياهًا عميقة لا تُرى لها قاع. ومع دخول السفن هذا الممر، كانت صيحات البحّارة تتعالى بالدعاء: “الله أكبر… يا رب السلامة!”؛ ففي تلك البقعة، كان الخوف حاضرًا، وكانت التيارات البحرية تصنع رهبتها في نفوس المسافرين. لكن ما إن تبرز جزيرة سلامة وبناتها في الأفق، حتى يتبدّل المشهد تمامًا. يظهر المعلم الذي يعني الوصول، وتختفي لحظة الخطر، لتعلو التهليلات والتحميدات إيذانًا باجتياز الممر الموحش، وصولًا إلى مساحة من الطمأنينة.
لذلك أطلق العرب على هذه الجزر اسم “سلامة وبناتها” تعبيرًا عن فرحتهم عند الوصول إليها سالمين بعد مشقّة البحر؛ فالجزيرة الكبرى “سلامة” شكّلت رمز النجاة، فيما جاءت “بناتها” -الجزر الصغيرة المحيطة بها- كشاهد إضافي على انتهاء الخطر. هذا الاسم لم يكن اصطلاحًا جغرافيًا فقط، بل وصفًا دقيقًا لشعور البحّارة لحظة مشاهدة اليابسة بعد ساعات أو أيام من مواجهة الأمواج.
وتشير روايات محلية إلى أن البحّارة كانوا يعتبرون رؤية هذه الجزر بشارة سلامة، لذلك ترسّخ الاسم في ذاكرة المكان حتى صار جزءًا من تراث البحر في مسندم.
وتقع الجزر في موقع استراتيجي بالغ الأهمية، عند مدخل مضيق هرمز — البوابة البحرية التي تعبر فيها نسبة كبيرة من تجارة العالم وناقلات النفط. وهذا الموقع جعلها على مرّ الزمن نقطة ملاحة رئيسية تستدلّ بها السفن، سواء تلك المتجهة إلى داخل الخليج أو الخارجة منه.
وتشير المعطيات البيئية إلى أن مياه الجزر العميقة، وما تحويه من شعاب مرجانية وكائنات بحرية متنوعة، جعلت منها أيضًا بيئة طبيعية ساحرة يرتادها هواة البحر والمغامرون في رحلات استكشافية هادئة بعيدًا عن ضجيج المدن.
ورغم جمال الموقع وطابعه البيئي الخاص، تبقى جزيرة سلامة وبناتها غير مأهولة بالسكان حتى اليوم، وتحافظ على طبيعتها الخام التي تضيف إليها عنصرًا من الغموض والجاذبية. أما تضاريسها الصخرية وتدرّجاتها الجبلية الصغيرة فتمنحها شخصية فريدة، تجعلها عنصرًا ثابتًا في ذاكرة كل من عبر مياه مسندم. كما برزت الجزر في العديد من الأدبيات البحرية والخرائط الدولية تحت أسماء أخرى، أبرزها Great Quoin وLittle Quoin، إلا أنّ الإرث المحلي ظلّ متمسكًا بتسميته الأقدم والأقرب إلى وجدان البحّارة: سلامة وبناتها.
اليوم، ما تزال الجزر تمثل وثيقة حيّة لمرحلة كاملة من التاريخ البحري لعُمان، وتشهد على رحلة الإنسان مع البحر بين الخوف والرجاء.
فالاسم، والموقع، والقصص التي حيكت حولها، كلها تجعل من هذا الأرخبيل جزءًا لا ينفصل من هوية مسندم ومن سجل الملاحة في المنطقة. والحديث عن جزيرة سلامة وبناتها ليس مجرد وصف لموقع جغرافي، بل هو استدعاء لصفحات من الذاكرة البحرية العُمانية؛ ذاكرة حملت أصوات البحّارة، ودعاءهم، واحتفالهم بالوصول. ورغم مرور الزمن، تبقى هذه الجزر شامخة في مكانها، تحرس مدخل المضيق، وتستقبل كل عابر بحر بالمعنى ذاته الذي حملته عبر التاريخ: الطمأنينة… والسلامة.




























