الصحوة – د . فوزية الشحية
نجد مؤخرا أن صفة «إعلامي» تمنح لكل من يملك حسابًا نشطًا، حيث لم تعد المهنة تُعرَّف بالكفاءة بقدر ما تُقاس بالانتشار.
تغيّر المشهد، واتّسع اللقب، واختلطت الحدود بين من تعلّم الإعلام ممارسةً ومنهجًا، وبين من يخوضه بوصفه مساحة للظهور السريع، لم يعد السؤال من يتحدث أكثر، بل من يفهم ما يقول، ومن يتحمّل أثر ما ينشر.
فالإعلام، في جوهره، ليس نقلًا آليًا للأحداث، بل عملية مركّبة تبدأ بإختيار الحدث أو الموضوع أو الظاهرة ، وتمرّ بالتحقق، وتنتهي بالتفسير المسؤول. غير أن ما نراه اليوم هو محتوى يختزل الحدث في مقطع، ويُفرغ السياق من معناه، ويستبدل التحليل بالانطباع، تحت شعار السرعة ومجاراة الترند.
المشكلة لا تكمن في صعود صناع المحتوى،ومن مجاراة العصر والأحداث، فذلك جزء طبيعي من التحول الرقمي بل في غياب التمييز المهني بين من ينتج محتوى تفاعليًا، ومن يمارس عملًا إعلاميًا تحكمه قواعد واضحة. فالصحافة لا تكتفي بالإجابة عن سؤال «ماذا حدث؟»، بل تسعى إلى «لماذا حدث؟» و«كيف يمكن فهمه؟» وما بينهما من متى وأين ؟ دون تضليل أو تبسيط مُخلّ.
ومن خلال مراحل دراستنا المختلفة تشكلت لدينا برمجة بديهية بأن نظريات الإعلام الكلاسيكية، لا تنظر إلى الوسيلة بوصفها ناقلًا محايدًا، بل فاعلًا في تشكيل الوعي العام، فوفق نظرية حارس البوابة والتي لا يجهلها أي إعلامي والتي تفرض على أي محتوى أو رسالة إعلامية أن تمر عبر قنوات متعددة بحيث لا يُنشر كل ما يُعرف، بل ما يخضع لمعايير مهنية وأخلاقية، أما اليوم، فقد تلاشت البوابات، وأصبح النشر متاحًا بلا ترشيح، ما حمّل المتلقي عبء الفرز، وأضعف مناعة المجتمع تجاه المحتوى المضلل.
كما تُشير نظريات التأطير الإعلامي إلى أن طريقة عرض الحدث لا تقل أهمية عن الحدث ذاته، وهنا تتجلى خطورة المحتوى غير المهني، حين يُقدَّم الرأي في صورة خبر، أو تُختزل القضايا المعقدة في عناوين مثيرة، تُحرّك العاطفة أكثر مما تخاطب العقل وهو ما يحدث الآن في عرض العديد من القضايا الحديثة مثلا كالحرب على قطاع غزة و الحرب في السودان حيث تختزل الكثير من الأحداث في صور مما يفقد القضية الكثير من أهميتها .
وعليه نجد أن الإعلامي المتخصص يتعامل مع التفسير بحذر، مدركًا أن كل قراءة تحمل أثرًا، وأن المعلومة الخاطئة قد تصنع وعيًا زائفًا يصعب تصحيحه. أما في فوضى المحتوى، فقد أصبح التفسير سريعًا، جازمًا، ومطلقًا، لا يستند إلى مصادر ولا يراعي التوازن، بل يُقدَّم بثقة مضاعفة تُخفي هشاشته.
هذا الخلل انعكس مباشرة على ثقة الجمهور، فحين يتساوى الخبير وغير المختص في مساحة التأثير، تتراجع المرجعيات، ويصبح الرأي الأعلى صوتًا هو الأصدق في نظر البعض، لا الأكثر دقة وهنا يتحول الإعلام من أداة تنوير إلى عامل إرباك.
ويجد الصحفي الذي درس القواعد المهنية، وتعلّم الفصل بين الرأي والخبر، واحترام أخلاقيات النشر نفسه اليوم مطالبًا بالدفاع عن بديهيات كانت يومًا من المسلمات وعلى الرغم من ذلك لا زالت الحاجة إلى الصحافة الجادة قائمة، لا لأنها تحتكر الحقيقة، بل لأنها تبحث عنها بمنهج.
لسنا بحاجة إلى إلغاء صانع المحتوى، ولا إلى شيطنة المنصات، بل إلى إعادة ضبط المفاهيم: أن نُعيد للإعلام تعريفه، وللمحتوى حدوده، وللتأثير معناه الحقيقي. فالإعلام ليس لقبًا يُمنح، بل مسؤولية تُمارَس، وتُحاسَب.
وفي زمن تتسارع فيه الرسائل، يبقى الرهان على وعي لا يُخدع بسهولة، وعلى إعلام يعرف أن قوته ليست في سرعة الانتشار، بل في عمق الأثر ولا بد من تنمية المهارات الجديدة لدى هذا الجيل والتي ظهرت مع ظهور التوعية الرقمية كالتفكير النقدي وأخلاقيات الاستخدام الرقمي وغيرها الكثير.




























