الصحوة – سعاد الوهيبية
لم يكن المطبخ يومًا مجرد وصفات تُطهى على النار، بل ذاكرة تُروى، وحكاية شعوبٍ تتلاقى عبر الزمن، وبين عُمان والهند، لم يكن البحر فاصلًا بقدر ما كان ممرًا، حمل معه التوابل، والقصص، ونكهاتٍ لا تزال حاضرة على الموائد حتى اليوم.
منذ قرون، شكّل بحر العرب جسرًا طبيعيًا للتواصل بين السواحل العُمانية والهندية، ومع حركة السفن الشراعية، انتقلت السلع، ورافقتها العادات الغذائية، فتداخلت النكهات وتشابهت الأطباق، حتى بات من الصعب أحيانًا الفصل بين ما هو “عُماني خالص” وما هو “هندي الأصل”، إذ امتزج الاثنان في تجربة طهي واحدة.
يُلاحظ المتأمل في المطبخ العُماني حضورًا لافتًا للتوابل التي تُعد ركيزة أساسية في المطبخ الهندي؛ كالهيل، والكركم، والقرنفل، والقرفة، والفلفل الأسود، هذه التوابل لم تدخل المائدة العُمانية كعنصر دخيل، بل استقرت وتكيّفت، لتُستخدم بميزانٍ خاص يراعي الذائقة المحلية، ويمنح الأطباق نكهة متوازنة تجمع العمق والهدوء.
أطباق الأرز، على سبيل المثال، تمثّل مساحة التقاء واضحة بين المطبخين، فالأرز المتبّل، المطهو بمرق اللحم أو الدجاج، والمُعطّر بالتوابل، حاضر بقوة في كلا الثقافتين، مع اختلافات في التفاصيل، تعكس البيئة والمواد المتاحة لكل بلد. كذلك الحال مع أطباق الكاري واليخنات، التي تختلف أسماؤها وتفاصيلها، لكنها تتشابه في روحها الدافئة وطريقة تقديمها.
ولا تقتصر أوجه التشابه على المكونات فحسب، بل تمتد إلى فلسفة الطعام ذاتها؛ حيث يُعد الأكل فعلًا اجتماعيًا، ومناسبة للاجتماع، ومظهرًا من مظاهر الكرم والضيافة، فالمائدة في عُمان، كما في الهند، مساحة للمشاركة، تُقدَّم فيها الأطباق بسخاء، وتُؤكل بروح جماعية تعكس قيم الترابط الأسري والاحترام.
حتى الحلويات تحمل بصمات متقاربة، سواء في الاعتماد على السكر، أو التوابل الخفيفة، أو طرق التقديم في المناسبات والأعياد، ما يؤكد أن التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، بل تبادليًا، نابعًا من تواصل طويل ومستمر.
اليوم، ومع تنوّع المطابخ وانفتاح العالم، لا يزال هذا القرب حاضرًا، سواء في البيوت العُمانية، أو في المطاعم، أو في ذاكرة الأمهات والجدات، اللواتي حفظن الوصفات كما حفظن الحكايات.
إن المطبخ العُماني والهندي ليسا مجرد مطبخين متجاورين جغرافيًا، بل شاهدان على علاقة إنسانية عميقة، نسجها البحر، وثبّتتها التوابل، وحفظتها الذاكرة؛ لتبقى النكهة دليلًا حيًا على تاريخٍ من القرب والتلاقي.


























