الصحوة – علي الحداد
في قصرٍ لا تُختزل رمزيته في هندسة المكان، بل في ما يتشكّل داخله من مساراتٍ ورؤى، وحيث تتجاور ذاكرة التاريخ مع وعي الحاضر واستشراف الغد، انعقد بقصر البركة العامر لقاءٌ عكس امتداد علاقةٍ ضاربة في الزمن، حين عقد حضرةُ صاحبِ الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم – حفظه الله ورعاه – ودولة ناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، جلسة مباحثاتٍ رسمية جسّدت انتقال العلاقة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند من فضاء الصداقة والتعاون والتاريخ المشترك، إلى أفق الشراكة الاقتصادية الشاملة.
جاءت المباحثات تعبيرًا عن حوارٍ رفيع بين الجانبين يدركان أن الاقتصاد في عالم اليوم لم يعد شأنًا تقنيًا معزولًا، وإنما أحد أوجه الرؤية السياسية بعيدة المدى. وقد تناول الجانبان مسارات التعاون القائمة، واستعرضا إمكانات أوسع للشراكة وفرص الاستثمار، لا سيما في مجالات الطاقة والتكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي، والتصنيع، والإنتاج الزراعي، إلى جانب تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي بوصفه الرصيد الأعمق للعلاقات المستقرة. كما تطرّق اللقاء إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، في إدراكٍ مشترك بأن ازدهار الاقتصاد يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار البيئة السياسية المحيطة به.
ومن هذا التلاقي المتزن في الرؤى، شهد حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان المُعظّم، ودولةُ رئيسِ الوزراءِ الهندي، بقصر البركة العامر، توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند، لتغدو الرؤية إطارًا مؤسسيًا، ويأخذ التفاهم السياسي بُعده الاقتصادي المنظّم.
وقد وقّع الاتفاقية نيابةً عن حكومة سلطنة عُمان معالي قيس بن محمد اليوسف، وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، فيما وقّعها عن حكومة جمهورية الهند معالي بيوش جويال، وزير التجارة والصناعة، في خطوةٍ عكست انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر تنظيمًا، يقوم على وضوح المصالح وتكاملها.
وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وتيسير حركة السلع والخدمات، وتوسيع آفاق التكامل في قطاعات تُشكّل مفاصل الاقتصاد المستقبلي، تشمل الطاقة بمفهومها الشامل، والتكنولوجيا بوصفها محرّك التحول العالمي، والصناعات التحويلية التي تمنح الاقتصادات قدرتها على الاستدامة والتنافس.
وفي لفتةٍ تحمل أبعادًا رمزية رفيعة، منح حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم – حفظه الله ورعاه – وسام عُمان لدولة ناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، تقديرًا لما تتسم به العلاقات الثنائية من رسوخٍ تاريخي وتفاهمٍ متبادل، ولما تمثّله من نموذجٍ متقدّم في الاحترام والشراكة بين الدول. كما تبادل جلالةُ السُّلطان المعظّم ودولةُ الضيف الهدايا التذكارية، في تعبيرٍ راقٍ عن البعد الإنساني والأخوي الذي يواكب المسار السياسي والاقتصادي.
وقد شهدت جلسة المباحثات ومراسم التوقيع حضورًا رفيع المستوى من أصحاب المعالي وكبار المسؤولين من البلدين، في دلالةٍ على الثقل المؤسسي للحدث، وعلى ما يحظى به هذا المسار من دعمٍ واسع بوصفه خيارًا استراتيجيًا.
وفي البيان المشترك الصادر عقب اللقاء، رحّب الجانبان بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، مؤكدَين أنها تمثّل مرتكزًا متقدمًا في مسار العلاقات الثنائية، ومنصةً لتعميق التعاون الاقتصادي على أسسٍ أكثر شمولًا وتنظيمًا.
وأشار الجانبان إلى أن التجارة والتبادل التجاري يشكّلان أحد الأعمدة الرئيسة لهذه العلاقة، مع التأكيد على الإمكانات المتاحة لتعزيز النمو وتنويع مجالات التبادل، بما يعكس قدرة الاقتصادين العُماني والهندي على توسيع نطاق الشراكات الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
وفي قطاع الطاقة، حيث تتقاطع متطلبات التنمية مع التحولات العالمية، أكد الجانبان حرصهما على توسيع مجالات التعاون في فرص الاستكشاف والإنتاج في الهند ومناطق أخرى من العالم، إلى جانب تطوير الشراكة في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، ولا سيما الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر، بوصفها مسارات استراتيجية لمستقبل طاقة أكثر توازنًا واستدامة.
اقتصاديًا، تمثّل هذه الاتفاقية امتدادًا عمليًا لتوجهات سلطنة عُمان في تنويع مصادر الدخل، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء شراكات نوعية تُسهم في نقل المعرفة وتوطين الصناعات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040. كما توفّر لجمهورية الهند إطارًا مستقرًا وموثوقًا لتعميق حضورها الاقتصادي في المنطقة، عبر شريكٍ يتمتع بالاستقرار والوضوح المؤسسي.
وفي جوهرها، تعكس هذه الشراكة فلسفة عُمانية تقوم على التدرّج المدروس، والتوازن بين الطموح والواقعية، وعلى الإيمان بأن العلاقات الاقتصادية المستدامة هي تلك التي تنمو من تراكم الثقة، وتُدار بمنطق المصالح بعيدة المدى. ولهذا جاء تسلسل الحدث معبّرًا في ذاته: حوارٌ يُمهّد، وتفاهمٌ يُنظّم، ورؤيةٌ ترسم المسار.
وهكذا، تمضي عُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم – حفظه الله ورعاه – في تثبيت حضورها الاقتصادي والدبلوماسي بنهجٍ هادئ وواثق، يرى في الشراكات رافعةً للاستقرار، وفي الاقتصاد جسرًا للتقارب بين الشعوب، وفي الصداقة التاريخية رصيدًا يُستثمر بحكمة. وما جرى في قصر البركة العامر كان تعبيرًا راسخًا عن مسارٍ يتشكّل بثبات، ويؤكد أن العلاقة بين عُمان والهند تمضي نحو مستقبلٍ تتكامل فيه المصالح، وتتعزّز فيه الروابط، وتترسّخ فيه معاني الأخوّة بين دولتين تجمعهما الجغرافيا، ويشدّهما التاريخ، وتوحّدهما الرؤية.


























