الصحوة – علي الحداد
ليست كل البيانات والتحركات الدبلوماسية متشابهة، ولا تُقرأ جميعها بوصفها إعلان موقف أو تسجيل حضور أو الامتناع عن الحضور. ففي محطات ولحظات تاريخية معينة، تتحول اللغة الرسمية إلى أداة توجيه استراتيجي، ويغدو البيان نفسه فعلًا سياسيًا يتجاوز ظاهر الكلمات إلى ما وراء السطور. من هذا المنظور، يمكن قراءة الخطاب الدبلوماسي العُماني الأخير بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن إدراك عميق لمرحلة إقليمية شديدة الخطورة، لا تتحرك نحو الاستقرار، بل تقترب من الكثير من الغموض وعدم اليقين إن لم تكن إلى حافة التصدع والانفجار.
ما يجري في الفضاء العربي، وفي قلبه الخليج، لم يعد قابلًا للتفسير بوصفه ارتدادات عشوائية لأزمات متتالية، ولا كنتيجة طبيعية لاختلافات سياسية أو اقتصادية أو طائفية. نحن أمام مسار تُدار فيه الأزمات لا لحلّها، بل لإبقائها مفتوحة، ويُستثمر فيه الانقسام العربي كأداة تشغيل مركزية ضمن معادلة أوسع تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية. الفوضى هنا ليست خللًا في النظام، بل جزءًا من تصميمه.
جوهر هذا المسار لا يقوم على إسقاط الدول دفعة واحدة، بل على إضعافها تدريجيًا .. تفريغ القرار السيادي، إستنزاف الموارد، تفكيك النسيج الاجتماعي، ثم دفع الدولة لاحقًا إلى الارتهان الأمني والإقتصادي والسياسي. عند هذه النقطة تتحول الدول من فاعل إقليمي إلى ملف تُدار تفاصيله من الخارج. وفي هذا السياق، لم تعد الخلافات العربية عارضًا طارئًا، بل بنية قائمة بذاتها، تُضخَّم وتُؤدلج وتُدار بوصفها صراعات وجود لا تقبل التسويات.
المفارقة أن العالم العربي، وهو يُستنزف في صراعات متعددة المسارات، يقدّم لإسرائيل أعظم مكسب استراتيجي من دون مواجهة مباشرة. فإسرائيل لا تواجه اليوم منظومة ردع عربية موحدة، ولا ضغطًا إقليميًا متماسكًا، بل تقف خارج دائرة الاستنزاف، تراقب من موقع المستفيد، بينما تتآكل بعض مراكز القوة العربية واحدة تلو الأخرى. كل تصدع عربي يُترجم مباشرة إلى اتساع في هامش الحركة الإسرائيلي، وإلى تراجع مركزية القضية الفلسطينية، لا بفعل هزيمة عسكرية، بل بفعل إنهاك عربي ذاتي طويل الأمد.
ما يمنح هذه اللحظة الدبلوماسية وزنها الاستثنائي ليس صدور بيان أو إجراء اتصالات بحد ذاتها، بل الهندسة السياسية الكامنة خلف اللغة والتوقيت وتسلسل الرسائل. فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية جاء بلغة سياسية عالية الانضباط، وفي توقيت بالغ الحساسية، ليُعيد تثبيت وقف إطلاق النار في غزة ضمن مرجعيته الدولية، ويربطه صراحة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبالحاجة إلى خارطة طريق واضحة المعالم وبرنامج زمني يقود إلى تطبيق حل الدولتين، لا بوصفه شعارًا مؤجلًا، بل كمدخل ضروري للأمن والاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
وقد توازى هذا البيان مع حراكٍ اتصالي مدروس قاده معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، في تجسيد عملي للفكر الاستراتيجي العماني، ومُثبّتًا لمسارات الاتزان في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. ففي الاتصال مع معالي الدكتورة فارسين أغابكيان شاهين، وزيرة الخارجية والمغتربين في دولة فلسطين، جرى التأكيد بوضوح سياسي مقصود على أن أي جهد دولي يتصل بالقضية الفلسطينية لا يمكن أن يُكتب له النجاح ما لم يكن الفلسطينيون في قلب هذا الحراك شركاء كاملين وفاعلين في صياغته وتنفيذه، وعلى أن حقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ليست موضوع تفاوض ظرفي، بل جوهر لأي مسار سياسي يراد له النجاح.
وفي الاتجاه ذاته، حمل الاتصال مع معالي أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، رسالة لا تقل أهمية، مفادها أن إعادة تنشيط الإطار العربي الجامع لم تعد خيارًا سياسيًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لاحتواء التوترات المتسارعة، وصون الأمن العربي المشترك، ومنع تفكك المواقف العربية وتحول الانقسامات إلى ثغرات تُدار من خارج الإقليم.
غير أن قراءة هذا المشهد لا تكتمل من دون التوقف عند ما لا يُقال صراحة. فخلف اللغة الدبلوماسية الهادئة، يبرز إدراك متزايد بأن المنطقة تقف على حافة تصعيد أخطر، وأن احتمالات المواجهة ولا سيما في الملف الإيراني لم تعد افتراضًا نظريًا أو أداة ضغط عابرة، إنما سيناريو يُدار توقيته وتُحسب كلفته بدقة. الخشية من ضربة أمريكية ضد إيران باتت جزءًا من الحسابات الواقعية، لا بوصفها خيارًا مبدئيًا محسومًا، بل بوصفها مسألة زمن وسياق، تُدفع أو تُؤجَّل تبعًا لموازين القوة وحدود السياسة.
في هذا السياق، لا تعكس الدبلوماسية العُمانية حالة اطمئنان، بل سباقًا مع الزمن لتوسيع مساحات المناورة السياسية، ولتعطيل لحظة القرار قبل أن تتحول إلى واقع يصعب احتواء تداعياته. هنا تتجلى قيمة الجهد الذي يعمل على كسب الوقت، وعلى إبقاء قنوات السياسة مفتوحة أطول فترة ممكنة، لأن الفارق بين منع الضربة وتأجيلها قد يكون الفارق بين احتواء أزمة قابلة للإدارة، وانزلاق إقليمي واسع لا يمكن التحكم بمآلاته.
وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب خلوة مسقط للوساطة في شهر نوفمبر الماضي دلالتها التي تتجاوز كونها مساحة نقاش نخبوي، لتغدو لحظة بلورة فكرية مبكرة لتحولات كبرى كانت تتشكل بصمت في بنية النظام الدولي. ففي تلك الخلوة، قدّم معالي السيد وزير الخارجية العماني قراءة عميقة لعالمٍ آخذ في التغيّر، لا بفعل الصدامات الكبرى وحدها، بل بفعل تطبيع التدخلات الخارجية، وتآكل مفهوم السيادة، وتوسيع منطق الإقصاء، حتى بات استخدام القوة بأشكالها العسكرية والاقتصادية والسياسية أداة إدارة شبه دائمة في العلاقات الدولية وبمنطق “حكم القوي على الضعيف”.
ما طُرح آنذاك كخطوط عريضة، تحذيرية في نبرتها واستشرافية في عمقها، نراه اليوم يُعاد إنتاجه بإسهاب على المنصات الاقتصادية والسياسية العالمية. فالكلمة التي ألقاها رئيس مجلس الوزراء الكندي، مارك كارني، في منتدى دافوس الاقتصادي، لم تكن خروجًا عن ذلك المسار بقدر ما كانت تفصيلًا واعترافًا صريحًا بما سبق التحذير منه .. تفكك النظام الدولي القائم على القواعد، عودة منطق القوة والمصلحة، تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وتحول العالم إلى ساحة تنافس غير منضبط بين القوى.
الفارق الجوهري أن ما قُدِّم في خلوة مسقط جاء مبكرًا، هادئًا، عميقاً، ومشحونًا بحسّ المسؤولية، فيما جاء الخطاب العالمي لاحقًا بعد أن انتقلت تلك التحذيرات من دائرة الاستشراف إلى خانة الواقع الذي لم يعد ممكنًا تجاهله.
في محصلة هذا المشهد المعقّد، لا تتجلى قيمة الدبلوماسية العُمانية في قدرتها على إدارة الأزمات فحسب، بل في قدرتها الأعمق على رصد الصدوع قبل أن تتحول إلى كسور، وعلى إبقاء السياسة حيّة حين تميل المنطقة إلى منطق القوة والاصطدام. إنها دبلوماسية لا تعمل في فضاء الممكن فقط، بل تطرق أبواب ما يُظن أنه مستحيل، وتفتح قنوات حوار حيث أُغلقت، وتبحث عن الحلول الممكنة في زمن يتسع فيه نطاق اللاحلول.
وفي قلب هذا الحراك، يقود معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي مسارًا دبلوماسيًا وسياسيًا يتجاوز إدارة اللحظة إلى ضبط الاتزان، ويعمل بهدوء على تفادي دوّامات الصراع والاحتراب، عبر تحركات وقراءة دقيقة للزمن السياسي، وربط الإقليمي بالدولي، والتنبيه بالمخاطر والتذكير بأهمية التكاتف والتمسك بالقانون الدولي والتعاون الجماعي وتعزيز التكاتف العربي العربي والإسلامي بوصفه ركيزة لا غنى عنها لاحتواء الأزمات، وصون الاستقرار، ومنع تفكك المواقف في لحظات الاختبار الكبرى والتحديات الجسام التي تواجه النطام العالمي ومنظومة الأمم المتحدة برمتها. في عالم يضيق فيه هامش العقل، ويعلو فيه صوت القوة، تصبح القدرة على كسب الوقت، ومنع الانفجار، وإبقاء باب السياسة مفتوحًا، أعلى أشكال الفعل السيادي وأكثرها أثرًا.
وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قيمة الدول بما تقوله بصوتٍ عالٍ، بل بقدرتها على قراءة ما سيأتي، والثبات على مبادئها وقيمها والعمل بهدوء لمنع الأسوأ قبل أن يصبح واقعًا.





























