الصحوة – علي الحداد
ليس الوطن دائمًا جغرافيا تُعرَّف،
ولا راية تُرفَع في المواسم فقط،
بل فكرةٌ عميقة تسكن الوعي قبل أن تسكن الأرض.
وعُمان، في جوهرها الأصفى، ليست دولةً تبحث عن تعريفها، ولا كيانًا يستمد حضوره من الصخب، بل معنىً اكتمل في ذاته، معنىً تعلّم أن القوة لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرة الدولة على أن تبقى متماسكة وهي تتغيّر، وأن تتقدّم دون أن تفقد روحها.
هنا، لا يدخل الوطن التاريخ من أبواب الاندفاع، بل من ممرّات الحكمة.
لا يُثبِت حضوره بالخصومة، بل بالاتزان.
ولا يصنع مكانته بانفعالات اللحظة، إنما بحسن قراءة السياق، وطول النفس في بناء المستقبل.
اللحمة الوطنية في سلطنة عُمان ليست طارئةً على الوعي، ولا وليدة ظرفٍ عابر، بل نسيجٌ تشكّل عبر الزمن، تداخل فيه الدين بالقيم، والعرف بالتجربة، والمسؤولية بإدراك المآلات. لذلك لم يكن الانتماء في هذا الوطن شعارًا موسميًا، إنما ممارسةً يومية هادئة، احترامٌ للنظام، إيمانٌ بالمؤسسات، وثقةٌ بأن الدولة ليست فوق المجتمع، بل هي صورته الأوسع.
في عُمان، يصبح الولاء عقلًا قبل أن يكون عاطفة، ويغدو الاصطفاف وعيًا، لأنه مُدار ببوصلة واحدة .. سلامة الوطن واستمراره.
وكأن عُمان، في لحظة التوازن هذه،
لا تجمع أبناءها بالنداء المرتفع،
بل بخيطٍ غير مرئي من الطمأنينة،
خيطٍ إذا شدّه أحدهم شعر به الجميع،
وإذا انقطع موضعٌ منه
أسرعت الحكمة إلى وصله
قبل أن يُرى الشرخ.
من هنا، ظلّ التماسك العُماني صامتًا في قوته، عميقًا في جذوره، عصيًّا على الاختراق، لأن ما يقوم على الفهم لا تهدمه الشائعات، وما يتأسّس على الثقة لا تزعزعه العواصف. كلما تغيّر المشهد من حولها، بقيت عُمان في موضعها الطبيعي .. دولة تعرف نفسها، وتعرف ماذا تريد، وتعرف متى تتقدّم بهدوء.
وفي قلب هذا النهج المتّزن، يتجلّى حضور حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم حفظه الله ورعاه، حضورًا يتجاوز معنى القيادة إلى معنى الطمأنينة الوطنية. قائدٌ يمسك بدفّة الدولة بعقل الدولة، وبقلبٍ أبويٍّ واسع، يرى في الشعب أبناءً لا أرقامًا، وفي الوطن أمانةً لا مشروعًا عابرًا.
في عهده، لم تُدار الدولة بلغة الاستعراض، بل بلغة البناء العميق، فكانت المنجزات كالماء الجاري في عروق الأرض، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يُحيي كل ما يمرّ به. تحديثٌ متوازن أعاد ترتيب الأولويات، ورسّخ مؤسسات الدولة، وفتح آفاق المستقبل دون أن يخلخل الثوابت. فالإيقاع متدرج دون أن يتباطأ، وتسارعت الخطى دون أن تفقد اتزانها.
وتحت هذه القيادة، تشكّلت لحمة وطنية أكثر صفاءً وعمقًا، لحمةٌ لم تعد تُعرَّف بالانتماءات الثانوية، بل بانتماءٍ جامع ذابت فيه الفوارق، حتى غدت عُمان قبيلةً واحدة اسمها الوطن، ورايتها الإنسان، وبوصلتها المصلحة العليا. وتقدّمت قيمة المواطنة، وأصبح العُماني يرى نفسه في أخيه، كما يرى الوطن في قائده.
لقد بنيت العلاقة بين القيادة والشعب على أساس الثقة الصامتة، تلك الثقة التي لا تحتاج إلى خطبٍ مطوّلة، لأنها تُبنى بالفعل، وتترسّخ بالإنصاف، وتكبر كلما شعر المواطن أن دولته تراه، وتحسب له، وتحمله في قلب مشروعها الوطني.
ومن هذا العمق، يبدأ الاحتفاء
لا احتفاء الاستعراض، بل احتفاء المعنى.
نحتفي اليوم بعُمان لا لأنها تجاوزت الأزمات فقط، بل لأنها لم تفقد اتزانها وهي تتجاوزها. نحتفي بوطنٍ لم يساوم على وحدته ليكسب لحظة، ولم يرفع صوته ليُسمَع، ولم يتخلَّ عن إنسانيته وهو يبني دولته. نحتفي بنهجٍ جعل من عُمان واحة استقرار في زمن الاستقطاب، وصوت عقل في محيطٍ صاخب.
وإذ نقف اليوم، فإننا لا نعدّد إنجازات بقدر ما نشهد مسارًا، مسار دولة عظمى تمضي إلى مستقبلها بذات الاتزان الذي صاغ تاريخها، وبذات اللحمة التي حفظت وحدتها، وبذات الروح التي جعلت من هذا الوطن بيتًا آمنًا لأبنائه.
ستبقى عُمان، مع الهيثم،
وطنًا لا ينكسر عند المنعطفات،
ولا يتبدّد عند العواصف،
ولا يحتاج أن يرفع صوته
ليعرف العالم مكانته.
ونحن، شعبَ عُمان،
لا نقف خلف قائدنا فقط،
بل نمشي معه،
قلبًا واحدًا،
واسمًا واحدًا،
ومصيرًا واحدًا.
حفظ الله عُمان،
وحفظ قائدها،
وحفظ شعبها المتماسك،
وجعل لحمتها الوطنية خالدةً،
كما هي عُمان دائمًا.




























