حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم يكن في مسقط عام 1972 سوى مركبة إطفاء واحدة من نوع «لاندروفر» يعمل عليها موظفان من البلدية، تمثل البداية الفعلية لخدمة الإطفاء في سلطنة عُمان. وبعد أشهر قليلة، شُكّلت «وحدة المطافئ» تحت إشراف الشرطة، وأُلحق بها (28) فردًا، وزُوّدت بمركبتين خفيفتين من النوع ذاته، لتبدأ بذلك أولى خطوات التنظيم الرسمي لمكافحة الحرائق في البلاد.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود، أصبحت منظومة الدفاع المدني والإسعاف هيئة وطنية مستقلة بمرسوم سلطاني، تدير عشرات المراكز، وتستجيب لآلاف البلاغات سنويًا، وتعمل وفق معايير دولية في الإطفاء والإنقاذ والإسعاف وإدارة الكوارث. وبين تلك المركبة الواحدة في مطلع السبعينيات والاستقلال الكامل بالمرسوم السلطاني رقم (31/2026)، تمتد رحلة مؤسسية طويلة تعكس تطور الدولة نفسها في بناء منظومة حماية متكاملة للأرواح والممتلكات.
🔹1972… شرارة البداية
مع انطلاق النهضة المباركة في مطلع السبعينيات، وازدياد التوسع العمراني والسكاني، برزت الحاجة إلى جهاز منظم لمكافحة الحرائق وإدارة عمليات الإنقاذ. وفي أبريل 1972م شُكّلت أول وحدة إطفاء في ولاية مسقط تحت مظلة شرطة عُمان السلطانية، مزودة بمركبات بسيطة، لتبدأ مرحلة تنظيم خدمات الحماية المدنية في البلاد.
وخلال سنوات قليلة، توسعت الخدمة تدريجيًا من حيث المعدات والتجهيزات، فدخلت مركبات إطفاء أكثر تطورًا، وأنظمة ضخ المياه والرغوة، والرافعات الهيدروليكية، لتواكب متطلبات المدن والمشاريع الحديثة.
🔹1991… الإطار القانوني
شكّل عام 1991م محطة تشريعية مهمة بصدور قانون الدفاع المدني، الذي حدّد مفهوم الدفاع المدني واختصاصاته، وأرسى الأساس النظامي لعمل الإدارة العامة للدفاع المدني تحت إشراف المفتش العام للشرطة والجمارك آنذاك.
وفي الفترة ذاتها، بدأت خدمات الإسعاف تأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا، مع إنشاء كيان مخصص لخدمات الإسعاف، قبل أن تُسند مهمة تطوير الإسعاف الطارئ عام 1998م إلى شرطة عُمان السلطانية، إيذانًا بمرحلة جديدة من الاحتراف الطبي الميداني.
🔹2003… مرحلة الإسعاف المتخصص
في عام 2003م صدر قرار بإنشاء وحدة إسعاف طوارئ متخصصة، ما عزز منظومة الاستجابة الطبية في مواقع الحوادث، وأتاح تقديم الرعاية العاجلة قبل الوصول إلى المستشفيات. وشهدت هذه المرحلة ابتعاث كوادر طبية عُمانية للتخصص في علوم الطوارئ، ما رفع من مستوى الجاهزية الفنية والبشرية.
🔹2013… ولادة “الهيئة العامة”
مع صدور المرسوم السلطاني رقم (3/2013)، دخلت المنظومة مرحلة مفصلية بإنشاء “الهيئة العامة للدفاع المدني والإسعاف”، كشخصية اعتبارية مستقلة ماليًا وإداريًا، لكنها تتبع شرطة عُمان السلطانية.
جاء هذا التحول ليجمع الدفاع المدني والإسعاف تحت مظلة تنظيمية واحدة، ويؤسس لمجلس إدارة يرسم السياسات العامة، ورئيس هيئة يتولى الإدارة التنفيذية، بما يعزز الكفاءة والتكامل المؤسسي.
🔹2014… النظام التفصيلي
في العام التالي، صدر المرسوم السلطاني رقم (68/2014) بإصدار نظام الهيئة، الذي حدّد أهدافها واختصاصاتها بشكل تفصيلي، وشمل:
مكافحة الحرائق والإنقاذ البري والبحري، وتقديم خدمات الإسعاف الوطني، وحماية المنشآت وتطبيق اشتراطات السلامة، والتعامل مع المواد الخطرة، وتشكيل الفريق الوطني للبحث والإنقاذ. وقد أتاح النظام بناء هيكل تنظيمي واضح، وتوسيع الانتشار الجغرافي للمراكز في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
🔹توسع ميداني واستجابة متزايدة
شهد العقد الأخير توسعًا كبيرًا في أعداد المراكز والوحدات، حيث انتشرت مراكز الدفاع المدني والإسعاف في مختلف المحافظات، وتعاملت الهيئة سنويًا مع آلاف البلاغات المتعلقة بالحرائق والإنقاذ والحالات الطبية الطارئة.
كما برز الفريق الوطني للبحث والإنقاذ بوصفه ذراعًا متخصصًا في إدارة الكوارث، وشارك في عمليات إنسانية خارج سلطنة عُمان، وفق معايير دولية معتمدة، ما عزز حضور سلطنة عُمان في منظومة الاستجابة العالمية.
🔹2021… تعديل المسمّى
في عام 2021م صدر مرسوم بتعديل مسمى “الهيئة العامة” إلى “هيئة الدفاع المدني والإسعاف”، مع إدخال تعديلات تنظيمية على نظامها، في خطوة عكست تطور بنيتها المؤسسية.
🔹2026… الاستقلال الكامل
وجاءت المحطة الأبرز في 16 فبراير 2026م بصدور المرسوم السلطاني رقم (31/2026)، الذي نص على:
– استبدال المادة الأولى من مرسوم 3/2013
– حذف عبارة التبعية لشرطة عُمان السلطانية
– التأكيد على الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري
– إلغاء المادة الثانية من مرسوم 68/2014
– منح الهيئة مهلة لا تتجاوز ستة أشهر لإصدار اللوائح التنفيذية الجديدة
وبذلك أصبحت هيئة الدفاع المدني والإسعاف كيانًا مستقلاً بالكامل، في تحول مؤسسي يعكس نضج المنظومة واتساع مهامها.
وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، انتقلت منظومة الدفاع المدني والإسعاف في سلطنة عُمان من مرحلة التأسيس البسيط إلى مؤسسة وطنية مستقلة، ذات هيكل تنظيمي متكامل، وانتشار جغرافي واسع، وكوادر مؤهلة وفق معايير عالمية.
ومع استقلالها الكامل، تدخل الهيئة مرحلة جديدة عنوانها: تحديث اللوائح، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ مفهوم الوقاية قبل الاستجابة، في مسار يعكس تطور الدولة ومؤسساتها في حماية الأرواح والممتلكات وصون السلامة العامة.




























