الصحوة : علي الحداد
حين تتعقّد الخيارات وتتشابك الحسابات، لا تميل الدبلوماسية العُمانية إلى الترقب، بل إلى التقدم المتّزن، المستند إلى صفاء القراءة ودقة تقدير المآلات. فإدارة الأزمات، في المدرسة العُمانية، لا تُدار بردّة فعل آنية، بل تُصاغ كهندسة متأنية لمسارٍ يوازن بين الردع والاستقرار، وبين الواقعية والطموح. ومن هذا المنطلق جاءت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة في جنيف لتؤكد أن سلطنة عُمان تتحرك في قلب التوازنات الأكثر حساسية في الإقليم، لا على هامشها.
لم تكن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية حوارًا إجرائيًا محدودًا حول برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية فحسب، إنما اختبارًا لإمكانية إعادة ضبط منحنى التوتر في منطقة تتقاطع فيها حسابات الطاقة وأمن الممرات البحرية ومعادلات الردع. وفي ظل هذا التعقيد، تجاوز الدور الدبلوماسي العُماني حدود الوساطة الكلاسيكية إلى صياغة معادلة توازن إقليمي أوسع، تحول دون انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة.
في جنيف، تحرك معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية بثقل سياسي واضح يعكس إدراكه لحجم اللحظة. ولم تكن لقاءاته المتعددة تحركًا بروتوكوليًا نمطيًا، بل شبكة ارتكاز دبلوماسية متكاملة. اجتماعه مع وزير الخارجية الإيراني شكّل قراءة معمقة للموقف الإيراني، ومعايرة دقيقة لسقوف التفاوض قبل أن تتبلور في المسار غير المباشر. فالوساطة التي لا تستبق التعقيد تتحول إلى قناة اتصال فحسب، أما الوساطة التي تفكك المواقف وتعيد ترتيبها، فإنها تصبح أداة صياغة للمعادلة.
وعلى الضفة الأخرى، جاء اللقاء التشاوري مع الجانب الأمريكي ليعكس قدرة عُمان على إدارة توازن متوازٍ بين قوتين متباعدتين. وعندما أشار معالي السيد الوزير إلى بحث متطلبات إنجاح المفاوضات “من جميع النواحي السياسية والفنية وبروح واقعية وبنّاءة”، لم تكن العبارة توصيفًا دبلوماسيًا عابرًا، بل إعلانًا لإطار منهجي واضح .. الواقعية تعني ضبط التوقعات ضمن حدود الممكن، والبنائية تعني الإصرار على فتح نافذة تقدم مهما ضاقت المسارات.
كلماته عقب اختتام الجولة حملت دلالات أعمق. حديثه عن “إحراز تقدم ملموس يمهد السبيل لاستمرارها قريبًا” لم يكن إعلانًا احتفاليًا، بل تثبيتًا لخطوة محسوبة في مسار طويل. لم يبالغ في تصوير الإنجاز، ولم يهوّن من صعوبة الطريق، بل وضع التقدم في حجمه الحقيقي .. انتقال من اختبار النيات إلى صياغة مبادئ توجيهية تشكل أساسًا لمسودة اتفاق محتمل. وهذا هو جوهر التحول، والانتقال من تبادل المواقف إلى بناء إطار تفاوضي قابل للتطوير.
لقاؤه مع نائب رئيس المجلس الفيدرالي ورئيس الوزارة الفيدرالية للشؤون الخارجية في الاتحاد السويسري أكد بعدًا آخر في هندسة المسار، فالدولة المضيفة أدّت دور البيئة السياسية الحاضنة للتوازن، بما يتجاوز الاستضافة الشكلية. والتنسيق الوثيق معها يعكس فهمًا بأن نجاح الوساطة لا يقوم فقط على إدارة الأطراف، إنما أيضًا على تثبيت مناخ تفاوضي مستقر .
أما اجتماعه مع المدير العام لوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد أضاف عنصر الضمان الفني إلى البناء السياسي. فالملف النووي ليس خطابًا سياسيًا فحسب، بل منظومة التزامات تحتاج إلى تحققٍ رقابي صارم. وتقدير الدور الفني للوكالة يرسّخ قاعدة واضحة، أي اتفاق بلا سند مهني سيظل هشًا، وأي تفاهم بلا آلية تحقق سيبقى عرضة للتأويل والانهيار.
في خضم تزامن المفاوضات مع رسائل ردع متبادلة وحراك عسكري لافت، كان استمرار الحوار وإحراز تقدم أولي بحد ذاته مؤشر اطمئنان. فالإقليم الذي شهد في مراحل سابقة انزلاقًا سريعًا من التوتر إلى المواجهة، يجد اليوم في المسار العُماني صمام أمان يحول دون تجاوز الخطوط الحرجة. وهنا يتجلى المعنى الأعمق للدور العُماني، تثبيت توازن يمنح جميع الأطراف مساحة للتحرك دون خسارة كبرى.
الاحترام الذي تحظى به مسقط في هذا المسار لم ينبع من موقع الوسيط فحسب، بل من تراكم ثقة سياسية عميقة. لغة متزنة، بعيدة عن الاستقطاب، لكنها حاسمة في حماية مسار الحوار من الانزلاق. وهذه القدرة على الجمع بين الهدوء والصرامة هي ما يمنح الدور العُماني ثقله النوعي والدولي.
اليوم، وبعد اختتام الجولة الثانية بمؤشرات تبعث على الاطمئنان، يمكن القول إن المسار لم يعد احتمالًا هشًا، بل أصبح عملية منظمة بخطوات واضحة نحو الجولة القادمة. لم يُحسم الخلاف بعد، ولم تُغلق الفجوات بالكامل، غير أن الانتقال إلى صياغة مبادئ مشتركة وتحديد قضايا فنية بدقة يعكس إرادة سياسية لاختبار الحل بدل اختبار القوة.
بهذا المعنى، لم تكن جنيف محطة تفاوضية عابرة، بل لحظة أكدت فيها سلطنة عُمان أنها تمارس دورًا استراتيجيًا في صيانة توازن الإقليم. ومعالي البدر، بحضوره القيادي وصياغته الدقيقة للخطاب، يجسّد مدرسة دبلوماسية ترى أن الاستقرار لا يُفرض، بل يُصاغ، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على جعل الحوار ممكنًا في ذروة التوتر.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تؤكد سلطنة عُمان مرة أخرى أن الاستقرار ليس شعارًا، بل مشروعًا يُدار بعقل بارد وإرادة سياسية ثابتة.




























