الصحوة – علي الحداد
في مجلس السلام بواشنطن، لم يكن النقاش حول غزة مجرد استجابة إنسانية عاجلة، ولا سباقًا في إعلان التعهدات، بل كان لحظة مفصلية يُعاد فيها اختبار معنى الشرعية في النظام الدولي ذاته. فالإعمار، في سياقات ما بعد الحرب، لا يكون شأنًا هندسيًا بقدر ما يكون قرارًا سياسيًا يعكس أي قاعدة ستنتظم تحتها المرحلة المقبلة.
الحروب تنتهي عسكريًا، لكنها لا تنتهي سياسيًا إلا حين تُعاد صياغة القواعد التي أنتجتها. وغزة، بما تختزنه من رمزية سياسية وإنسانية، تمثل اليوم اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على إعادة البناء، واختبارًا أعمق لإرادته في إعادة تعريف المرجعية التي تمنح هذا البناء استدامته.
ومن هذا المنطلق، جاء تصريح معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، على هامش الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام، الذي شاركت فيه سلطنة عُمان بصفة مراقب بدعوة من فخامة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، ليختصر المعادلة بوضوح الدولة وثباتها :
“إن تحقيق سلام حقيقي ودائم يتطلب مساراً سياسياً مستداماً يعالج الأسباب الجذرية، ويدعم القانون الدولي، ويحقق حل الدولتين الذي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو شرط أساسي للأمن والاستقرار للجميع”.
هذا التصريح لم يكن توصيفًا مرحليًا، بل تثبيتًا لإطار. فقد أعاد تعريف الإعمار بوصفه جزءًا من مسار سياسي لا بديلًا عنه، وأكد أن السلام لا يُختزل في إدارة النتائج، إنما يُبنى بمعالجة الأسباب، وربط بوضوح بين التعافي والشرعية، وبين الاستقرار والقانون الدولي، وبين الإعمار وحل الدولتين باعتباره المرجعية الأكثر اتساقًا مع قواعد النظام الدولي.
في النموذج الفلسطيني، تتجسد هذه الحقيقة بأعلى درجاتها. فإعادة إعمار غزة، إن لم تُدرج ضمن رؤية سياسية تقود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام، قد تُعيد ترتيب المشهد العمراني، لكنها لن تُحصّن المشهد السياسي. أما حين يُربط الإعمار بحل الدولتين بوصفه تسوية تاريخية تستند إلى القانون الدولي وقراراته، فإنه يتحول إلى حجر أساس في بناء سلام مستدام، لا إلى هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى.
لكن ما يمنح هذا الطرح عمقه الاستراتيجي هو إدراك أن ما يجري في غزة لا ينفصل عن تحولات أوسع في بنية النظام الدولي. فمرحلة ما بعد الحرب لا تعيد إعمار المدن فقط، إنما تعيد توزيع الأدوار، وتعيد اختبار شرعية المرجعيات، وتعيد تعريف حدود النفوذ. وفي لحظةِ تآكلِ الثوابت واختبارِ صلابة المرجعيات، تتمايز الدول بين من يواكب الحدث، ومن يعمل على تثبيت الإطار الذي سيحكمه.
وهنا تتقدم سلطنة عُمان، في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله، بوصفها دولة تتعامل مع التحولات من مرتكز الرصانة المؤسسية لا من إيقاع اللحظة. فقد أرست عُمان في هذا العهد المتجدد سياسة خارجية تقوم على معادلة دقيقة: انخراطٌ فاعل لا يذوب في الاستقطاب، وتموضعٌ محسوب لا يتخلى عن المرجعية. إنها سياسة ترى أن حماية القانون الدولي ليست خيارًا انتقائيًا، بل شرطًا لاستقرار إقليمي ودولي متوازن.
لقد ثبّتت عُمان، في رؤيتها المتجددة، أن النفوذ المستدام لا يُبنى بالاندفاع، بل بحماية القواعد التي تمنح النظام الدولي تماسكه. ومن هذا المنطلق، فإن مشاركتها بصفة مراقب في مجلس السلام العالمي لم تكن إشارةً عابرة لا تنعكس على معمار المرحلة، بل حضورًا محسوبًا يحفظ لها مساحة التقدير، ويصون قدرتها على التأثير حين تتبلور ملامح المرحلة.
وفي هذا السياق، يجسد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي المدرسة الدبلوماسية العُمانية في أرقى صورها. فهو لا يكتفي بتمثيل الموقف، بل يسهم في صياغة إحداثياته، ويضبط إيقاعه ضمن إطار يصون الاتزان ويحفظ المرجعية. إنها مقاربة ترى أن الاتزان ليس وقوفًا على مسافة واحدة من الجميع، إنما تموضعًا واعيًا يستند إلى ثوابت واضحة، تحمي المصالح دون أن تتخلى عن المرجعية. وفي لحظةِ تآكلِ الثوابت واختبارِ صلابة المرجعيات، يصبح هذا النهج تأثيرًا محسوبًا وقوةً صامتة تعيد ترتيب الإيقاع، وتمنح الكلمة وزنها، والموقف عمقه.
غزة اليوم ليست مجرد ملف لإعادة الإعمار، إنما نقطة ارتكاز في إعادة تعريف العلاقة بين القوة والشرعية في الإقليم. فإما أن يكون الإعمار خطوة في مسار تسوية سياسية عادلة تُفضي إلى دولة فلسطينية مستقلة، وإما أن يتحول إلى إدارة تقنية لأزمة مؤجلة.
ففي لحظات إعادة تشكيل المشهد، تتمايز الدول لا بارتفاع نبرتها، بل بقدرتها على صون الإطار الذي سيبقى بعد انحسار الضجيج. وسلطنة عُمان تؤكد، في هذا السياق، أنها تختار أن تكون جزءًا من هندسة القاعدة، لا من ازدحام اللحظة.
فالإعمار يُشيّد الحجر،
لكن الشرعية تُشيّد التاريخ.
ومن يُحسن الجمع بينهما، لا يشارك في صناعة اللحظة فحسب، بل يُسهم في صياغة المرحلة.





























