الصحوة – الدكتورة سحر بنت حمد العمرانية
طبيبة اختصاصية – طب الأسرة
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة، تتزايد مظاهر الاستعداد لاستقباله، حيث تنتشر العروض التجارية للأغذية، وتكثر وصفات الطعام الشهية والأواني المزخرفة والهدايا والمعايدات، في أجواء تعبّر عن خصوصية هذا الشهر وفضله العظيم. كما يشهد نمط الحياة اليومي تغيّرًا ملحوظًا لدى معظم الأسر، لا سيما في مواعيد التغذية والنوم ومستوى النشاط البدني.
وفي خضم هذا الزخم، يعود الصيام كتجربة فسيولوجية يمر بها جسم الإنسان لمدة شهر كامل، ما يتطلب استعدادًا صحيًا جيدًا لتحقيق فوائده الروحية والدينية والصحية، وتجنّب المضاعفات الناتجة عن تغيّر العادات اليومية. ويُعد شهر رمضان فرصة ذهبية لتحسين الصحة الجسدية والنفسية، واكتساب عادات غذائية سليمة، وإعادة تنظيم نمط الحياة.
ولتحقيق أقصى فائدة صحية من الصيام، تؤكد الدكتورة سحر بنت حمد العمرانية، اختصاصية طب الأسرة، أهمية الالتزام بمجموعة من الإرشادات الطبية التي تضمن صيامًا صحيًا وآمنًا، وتحدّ من المشكلات الشائعة خلال الشهر الفضيل.
التغذية المتوازنة في الإفطار والسحور
تُعد التغذية السليمة حجر الأساس للحفاظ على الصحة في رمضان، ويجب أن تتسم وجبتا الإفطار والسحور بالتوازن واحتوائهما على العناصر الغذائية الضرورية.
وفي وجبة الإفطار، يُنصح بالبدء بالتمر والماء اقتداءً بالسنة النبوية، إذ يُعد التمر مصدرًا سريعًا للطاقة ويساعد على استعادة مستويات السكر في الدم بعد ساعات الصيام الطويلة. كما يُفضّل عدم الإفراط في تناول الطعام دفعة واحدة، والبدء بوجبة خفيفة ثم الانتظار قليلًا قبل الطبق الرئيسي لتجنّب عسر الهضم وزيادة الوزن. ويُنصح بالإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة الغنية بالألياف، مع التقليل من الأطعمة المقلية والدسمة واستبدالها بالأطعمة المشوية أو المسلوقة.
أما وجبة السحور، فهي الركيزة الأساسية لصيام صحي، ويُوصى بتدعيمها بالبروتينات والكربوهيدرات المعقّدة مثل البيض، واللبن، والبقوليات، والشوفان، والخبز الأسمر، لما لها من دور في إطالة الشعور بالشبع وتوفير الطاقة. كما ينبغي تجنّب الأطعمة المالحة التي تزيد الإحساس بالعطش، مع الحرص على شرب كمية كافية من الماء.
الترطيب والوقاية من الجفاف
يُعد الجفاف من أكثر المشكلات شيوعًا خلال شهر رمضان، خاصة في الأجواء الحارة أو عند ممارسة النشاط البدني. لذا يُنصح بشرب ما بين 8 إلى 10 أكواب من الماء بين الإفطار والسحور، وتجنّب المشروبات الغازية والمحلاة التي تزيد الشعور بالعطش، مع الإكثار من تناول الفواكه والخضروات الغنية بالماء مثل الخيار والبطيخ والبرتقال.
النشاط البدني باعتدال
لا يمنع الصيام ممارسة الرياضة، بل يمكن الاستمرار في النشاط البدني مع اختيار التوقيت المناسب. ويُفضّل أداء التمارين الخفيفة إلى المتوسطة بعد الإفطار بساعتين، مثل رياضة المشي، مع تجنّب التمارين الشاقة خلال ساعات النهار تفاديًا للجفاف والإرهاق.
تنظيم النوم وتجنّب الإرهاق
قد يؤدي الصيام مع قلة النوم إلى الشعور بالإجهاد والتعب، لذلك يُنصح بالحصول على 7 إلى 8 ساعات من النوم يوميًا، وتقليل المجهود البدني خلال النهار، وأخذ فترات راحة عند الحاجة.
العناية بالجهاز الهضمي
تُعد اضطرابات الهضم من الشكاوى الشائعة في رمضان، ويمكن الحد منها بتناول الطعام ببطء ومضغه جيدًا، وتجنّب الأطعمة الحارة والدسمة والسكريات، مع شرب كميات كافية من الماء، وتناول بعض المشروبات الدافئة مثل النعناع أو الشمر.
الصحة النفسية والاجتماعية
يحمل شهر رمضان أبعادًا نفسية وروحية عميقة، إذ يسهم الصيام والعبادات في تقليل التوتر وتعزيز السكينة النفسية. كما أن صلة الرحم والتواصل الاجتماعي المعتدل يعززان الشعور بالراحة النفسية والتوازن العاطفي.
نصائح للحوامل والمرضعات
تنصح الدكتورة سحر العمرانية الحوامل والمرضعات بمراجعة الطبيب قبل الصيام لتقييم حالتهم الصحية وإمكانية الصيام من عدمه. وبوجه عام، يجب التركيز على التغذية المتوازنة الغنية بالحديد والكالسيوم، وشرب كميات كافية من السوائل، وتجنّب المجهود البدني الشاق.
الفوائد الصحية للصيام
للصيام فوائد صحية متعددة، من أبرزها تحسين صحة القلب، وتنظيم مستويات السكر في الدم، والمساهمة في مقاومة الإنسولين، وخفض مستوى الكوليسترول الضار (LDL)، وتعزيز صحة الجهاز الهضمي، إضافة إلى آثاره الإيجابية على الوزن ومحيط البطن. ويُعد شهر رمضان فرصة مناسبة لاكتساب عادات صحية مستدامة، مثل الاعتدال في الطعام، والإقلاع عن التدخين، والتقليل من السكريات والمشروبات المنبّهة.
استشارة الطبيب عند الحاجة
تؤكد الطبيبة ضرورة استشارة الطبيب قبل شهر رمضان لمرضى الأمراض المزمنة، وكذلك عند ظهور أعراض غير طبيعية أثناء الصيام مثل الدوار الشديد أو الإرهاق المفرط، إذ قد توجد حالات يُنصح فيها بعدم الصيام حفاظًا على سلامة المريض.
ويظل شهر رمضان محطة سنوية لإعادة التوازن الصحي الجسدي والنفسي. ومن خلال اتباع نظام غذائي متوازن، والمحافظة على الترطيب الكافي، وتنظيم النوم، وممارسة النشاط البدني المعتدل، يمكن للصيام أن يكون عبادة تعزز العافية وجودة الحياة، وتُرسّخ نمطًا صحيًا مستدامًا يمتد أثره إلى ما بعد الشهر الفضيل.




























