حصريٌّ لـ«الصحوة» – إبهامٌ واحدٌ ارتفع أمام العدسات في جنيف يوم 26 فبراير 2026… لكنه لم يكن “إشارة انتصار” بقدر ما كان اختزالًا لمدرسةٍ دبلوماسية كاملة: هدوءٌ محسوب، ورسالةٌ موجزة، وثقةٌ لا تحتاج ضجيجًا. هكذا خرج معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية من ختام أحدث جولة في مسار التفاوض الأمريكي–الإيراني، في لقطةٍ انتشرت سريعًا، لأنها التقطت ما لا تقوله البيانات عادةً: أن وراء الأبواب المغلقة جهدًا شاقًا لإبقاء خيط الحوار حيًا، في لحظةٍ كان يمكن أن تنقطع فيها كل الخيوط.
هذه الصورة لا تُقرأ بمعزل عن الوقائع المعلنة التي تراكمت خلال عامٍ كامل من الجولات والانتقالات والتعليق ثم الاستئناف. فوفق ما ورد في البيانات الرسمية العُمانية، ومعها ما أعلنته واشنطن في مستهل جولة أبريل 2025، بدأت “الجولة الرفيعة” الأولى في مسقط بتاريخ 12 أبريل 2025 بوصف أمريكي رسمي بأنها “إيجابية وبنّاءة” مع شكرٍ صريح لعُمان واستضافة الوزير العُماني. هنا تحديدًا يظهر الدور العُماني منذ اللحظة الأولى لا كخدمةٍ لوجستية، بل كـ”تصميم مسار” يسمح للطرفين بالتفاوض من دون كلفة اللقاء المباشر، وبما يتيح نقل الرسائل وتدوير الصيغ وتقليل احتمالات الانفجار السياسي.
ثم اتسع المسرح: من مسقط إلى روما، ثم عودة، ثم روما ثانية، وصولًا إلى جنيف. في هذا التدوير الجغرافي، لا تتبدل القصة بقدر ما تتأكد: الوسيط العُماني يضبط الإيقاع، يعلن المواعيد، يهيئ الشروط، ويُبقي “النافذة” مفتوحة حتى عندما لا يكون هناك اختراقٌ حاسم. لذلك جاءت صياغات سلطنة عُمان الرسمية في مايو 2025 دقيقة: “تقدم دون نتائج حاسمة”. ليست عبارة رمادية، بل توصيفٌ دبلوماسي مسؤول يرفض بيع الوهم، وفي الوقت نفسه يرفض إعلان الفشل ما دام التواصل قائمًا.
لكن منتصف يونيو 2025 كان نقطة الفصل التي تُظهر أن الدبلوماسية—مهما بلغت مهارتها—لا تستطيع وحدها تحييد العاصفة إذا قررت السياسة الخشنة اقتحام المشهد. ففي 14 يونيو أُعلن رسميًا إلغاء الجولة السادسة التي كانت مقررة في مسقط. وبعدها، وبحسب تغطيات دولية موثوقة، دخلت المنطقة في مناخٍ شديد التوتر وتطورت الأحداث إلى ضرباتٍ وتعقيداتٍ رفعت كلفة العودة إلى الطاولة. هنا يُقاس ثقل الوسيط لا بعدد البيانات، بل بقدرته على إعادة تركيب المسار بعد الانكسار.
ومن هذا الاختبار خرجت دلالة 2026: سلطنة عُمان تعيد تشغيل القناة بدل أن تكتفي بتسجيل “محاولة”. في 6 فبراير 2026، وفق ما أعلنته الخارجية العُمانية، عقد البوسعيدي “مشاورات منفصلة” مع وفد إيران ثم وفد الولايات المتحدة في مسقط. هذا التفصيل مهم لأنه يُظهر نموذج العمل: غرفةٌ لكل طرف، ورسائلٌ تُنقل بعناية، وأسئلةٌ تُعاد صياغتها، ومقترحاتٌ تُدمج أو تُفصل حتى يصبح الخلاف “قابلًا للإدارة” لا “قابلًا للاشتعال”.
ثم جاءت محطة جنيف لتُضيف طبقةً أكثر تعقيدًا: إدماج العامل الفني والتحققي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. اللقاءات المعلنة للبوسعيدي مع مدير عام الوكالة رافائيل غروسي—بالتوازي مع لقاءاته مع الوفدين—تعني أن الوساطة لم تعد سياسية فقط، بل تسعى إلى ربط السياسة بآليات التحقق والضمانات؛ وهي العقدة التي كثيرًا ما تحدد مصير أي اتفاق مرتبط بالبرنامج النووي. بمعنى آخر: ليس المطلوب فقط أن “يتفقوا”، بل أن يمكن التحقق مما اتفقوا عليه، وإلا عاد كل شيء إلى نقطة الصفر عند أول أزمة.
وفي يوم 26 فبراير 2026 تتجلى الصورة كاملة: لقاءات منفصلة في جنيف مع الوفد الإيراني ثم الوفد الأمريكي، ومراجعة “مقترحات إيران” و”استفسارات/ردود” الجانب الأمريكي، مع تركيز معلن على عناصر البرنامج النووي والضمانات والجوانب التقنية والرقابية. هذا ليس دور “ساعي بريد” كما يتخيل البعض؛ إنه دور “محرر تفاوضي” يعيد ترتيب المواد الخام في نصٍ قابل للحياة: يقرب اللغة، يخفف الحدة، ويختبر المسافات بين الحدّين. هو عملٌ بطيء بطبيعته، لكنه في هذه الملفات بالذات هو ما يمنع الانهيار السريع.
من هنا تصبح “إشارة الإبهام” أكثر من لقطة تواصل اجتماعي. هي رمزٌ لثلاث رسائل:
الرسالة الأولى: الاستمرارية. فحتى حين تعطلت جولات 2025 تحت وطأة التصعيد، لم تتخلَّ سلطنة عُمان عن فكرة العودة، بل أعادت تشغيل المسار في 2026 عبر مشاورات مسقط ثم جنيف، وأعلنت تواريخ الاستئناف ووصفت “دفعة إيجابية” و”قضايا تقنية” و”أهداف مشتركة” كأرضية متابعة.
الرسالة الثانية: الواقعية. لا وعود باتفاق نهائي مُستدام حتى 26 فبراير 2026، وفق المتاح علنًا. وهذا الاعتراف الضمني—الذي يظهر في لغة البيانات ذاتها—هو مصدر قوة لا ضعف؛ لأنه يضع الجمهور أمام حقيقة أن الدبلوماسية لا تُقاس بالتصفيق بل بقدرتها على منع الأسوأ، والحفاظ على قنوات التواصل في لحظة الفوضى.
الرسالة الثالثة: إعادة تعريف “قوة الدولة الصغيرة”. ليست القوة حجمًا عسكريًا أو صخبًا سياسيًا، بل قدرة على بناء ثقةٍ عملية لدى طرفين خصمين، والاحتفاظ بمساحة اتصال عندما تضيق المساحات الأخرى. وهذه بالضبط هي المعادلة التي جعلت مسقط عبر السنوات وسيطًا مقبولًا، لكنها في هذا المسار تحديدًا اكتسبت شكلًا أكثر وضوحًا: وساطة تشغيلية تقوم على إدارة الجولات وضبط الإيقاع وتجميع المقترحات والردود وإدماج التحقق الدولي كشرط لتخفيض المخاطر.
قد يسأل قارئٌ متعجل: ماذا حققنا إذا لم يُعلن اتفاق نهائي؟ والجواب—كما تؤكده الوقائع المعلنة—أن النجاح هنا يُقاس بما تم الحفاظ عليه لا بما تم الإعلان عنه: الحفاظ على التواصل، منع انهياره الكامل، إعادة الأطراف إلى طاولة غير مباشرة بعد صدمة كبرى، ورفع مستوى النقاش إلى “تفاصيل قابلة للقياس” عبر بوابة الضمانات والتحقق. في ملفاتٍ كهذه، مجرد إبقاء الخيط موجودًا هو إنجازٌ استراتيجي، لأن البديل ليس “الفراغ” بل التصعيد.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تُختزل سياسة سلطنة عُمان الخارجية في صورةٍ جميلة، ولا أن تُمحى الصورة من أثرها الرمزي. لقطة الإبهام كانت ختامًا بصريًا لمسارٍ طويل من العمل الصامت. وقد يكون أجمل ما فيها أنها لم تتعالَ، ولم تُعلن ما ليس موجودًا، بل قالت بهدوء: “لا يزال هناك طريق… ونحن نحرسه”.


























