الصحوة – علي الحداد
ليست الرؤية العمانية موقفًا عابرًا في لحظة تفاوضية، إنما ميزانٌ دقيق يُعاد به ضبط الإيقاع بين طهران وواشنطن، في مرحلة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع رهانات دولية معقدة. وفي جنيف، حيث البحيرة مرآةٌ للسماء، وحيث الجبال تقف في هيئة صمتٍ وقور، انعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية غير المباشرة برعاية عمانية خالصة، كأنها محطة يُعاد فيها تشكيل الممكن بين التصعيد والانفراج.
في قلب أوروبا، تجلت دبلوماسية السلام العُمانية بوصفها فعلًا سياديًا راسخًا لا يحتاج إلى استعراض. ومن بيت عمان المطل على بحيرة جنيف، حيث يمتزج عبق زهور الورد بنفحات اللبان الحوجري الصاعد من ذاكرة الجبل الأخضر وجبل سمحان، لم يكن المكان مجرد مقر للاجتماعات، بل رسالة متكاملة مفادها أن الهوية الوطنية يمكن أن تحضر بثقة، وأن الضيافة قد تكون مدخلًا لتهيئة النفوس قبل تباين الرؤى.
تتناغم المفاوضات مع رياح التغيير، وكأنها تعي أن الإقليم لم يعد يحتمل دوراتٍ متكررة من الاحتقان. فالعالم الذي يتأرجح بين حدّة الخطاب وتشابك المصالح يحتاج إلى ميزانٍ يحفظ التوازن، لا إلى طرفٍ يرجّح الكفة. وهنا يبرز الدور العماني، لا كوسيطٍ طارئ، وإنما كمرتكزٍ ثابت لا يميل، يعزف لحن السلام فيما تتصاعد الإيقاعات المتعارضة.
وقبل انطلاق الجولة الثالثة، جاءت اللقاءات التمهيدية كتمهيدٍ سياسي رفيع، لقاءات جمعت معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بنظيره الإيراني، وبالمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبمبعوث الرئيس الأمريكي. لم تكن تلك الاجتماعات ترتيبات شكلية، إنما إعادة صياغة للمناخ العام، وتأسيسًا لمسارٍ يُعاد فيه مدّ جسور السلام بين إيران وأمريكا على أرضيةٍ أكثر استعدادًا للتفاهم.
يدير معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أحد أثقل الملفات السياسية في الإقليم بدهاء الدبلوماسي الرفيع وبصيرة رجل الدولة الذي يدرك أن القرار ليس انفعالَ لحظة، بل خلاصة قراءةٍ متأنية لتشابكات الطاقة والأمن الإقليمي والتحالفات الكبرى. ويصوغ القرارات بعناية تامة، بخطوات محسوبة بدقة متناهية، ليعزف لحنًا متناغمًا وسط عاصفة كادت أن تعصف بما تبقى من مساحات الحوار. لا ارتجال في أدائه، ولا مبالغة في حضوره، بل رزانةٌ تمسك بالخيط الدقيق بين الحزم والمرونة.
ومن بين المشاهد التي اختزلت فلسفة المسار بأكمله، جاءت الإشارة التي التقطتها عدسات الصحافة .. رفع الإبهام بثقةٍ هادئة، وابتسامة مطمئنة لم تكن حركة عابرة، إنما رسالة كثيفة المعنى. في تلك اللحظة، بدا وكأن الأمل يتقدم خطوة إلى الأمام، وأن الطمأنينة بدأت تتسلل إلى ملامح المشهد الدولي. لم تكن إعلانًا عن نهاية الطريق، بل تأكيدًا على أن البناء الهادئ يمضي بثبات، وأن مسار التفاهم يرسّخ حضوره في عمق المشهد.
ولم يكن ذلك التفاؤل إيحاءً رمزيًا فحسب، فقد أعلن معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي اختتام الجولة بعد إحراز تقدمٍ ملحوظ في المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية مؤكدًا أن المسار سيُستأنف عقب التشاور في عاصمتي البلدين، على أن تُعقد مناقشات فنية الأسبوع المقبل في فيينا. كما وجّه شكره إلى المفاوضين، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والحكومة السويسرية المضيفة، في تعبيرٍ يعكس تقديرًا لدور كل طرف في إنضاج هذا التقدم وترسيخ مناخ الثقة المتبادل.
وأكد معالي السيد الوزير دعم المفاوضات وتهيئة أجواء من التفاهم الحقيقي، مشيرًا إلى أن المساعي العمانية تواصل السير بحيويةٍ وإصرار، وأن الأطراف أبدت انفتاحًا غير مسبوق على الأفكار الجديدة. وكأن هذه الجهود تمطر رذاذًا خريفيًا فوق أرضٍ جدباء، فتوقظ فيها بذورًا كانت تنتظر لحظة النماء السياسي.
لقد نجحت دبلوماسية السلام في الجولة الثالثة بحنكة استثنائية، نجاحٌ يتجلى في تثبيت الطاولة أكثر مما يتجلى في إعلان النتائج، وفي إيجاد نقاط التقاء حقيقية تلتقي عندها الإرادات في منطقة وسطى من التفاهم السياسي المبني على الاحترام المتبادل. ففيما يسعى البعض إلى تعقيد المشهد أو الارتهان إلى معالجات سطحية، تمضي عمان نحو بناء معادلة تحفظ للجميع كرامة الموقف وتوازن المصالح.
وتحت القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – تتكرس هذه الرؤية في سياسة خارجية متزنة ذات عمق استراتيجي. رؤية ترى أن القوة الحقيقية ليست في حدّة العبارات، بل في القدرة على خفض منسوب التوتر وصناعة مساحات آمنة للحوار. ومن هذا العمق تستمد الدبلوماسية العمانية الخالدة قدرتها على أن تعزف لحنًا رفيعًا يتردد في أروقة السياسة الدولية، لحنًا يتسم بالوقار والرزانة والاتزان.
وهكذا تمضي عمان، بين البحر والجبل، بين إرثٍ راسخٍ ورؤيةٍ تتقدم بثقة، لا تنجرف مع الموج ولا تستعجل العبور. ترسّخ توازنًا لا يقوم على المجاملة، بل على قراءةٍ عميقة لمصالح الإقليم وحسابات العالم. وفي زمنٍ تميل فيه المعادلات إلى الحافة، تظل هي الميزان الذي يحفظ الكفّتين، لأن السلام في فلسفتها السيادية ليس هدنةً عابرة، بل خيارًا استراتيجيًا يرتقي إلى ذروة القوة، ويعيد تعريف معادلة النفوذ بلغة الاتزان.


























