الصحوة – علي الحداد
لم يكن الثامن والعشرون من فبراير 2026 مجرد يومٍ آخر في تقويم العالم، إنما لحظة انعطافٍ حادة بين مسارين .. مسارٍ كان يقترب من أن يُتوَّج باتفاق يعيد تعريف التوازن الإقليمي، ومسارٍ اختار أن يعيد ترتيب الجغرافيا السياسية بالنار.
في جنيف، بلغت الجولة الثالثة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية مستوى غير مسبوق من التقدم. لم يكن توصيف “تقدم رئيسي ومهم” مجاملةً دبلوماسية، إنما خلاصة نفسٍ طويل أدارته الدبلوماسية العُمانية بقيادة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بصبرٍ استراتيجي نقل الطرفين من لغة الشروط القصوى إلى لغة الممكن. كانت المسافة بين المسودة والنص النهائي تضيق، وكانت التفاصيل التقنية تتحول إلى صياغات قابلة للتوقيع. وكان واضحًا أن لحظةً تاريخية تقترب.
ثم جاءت واشنطن.
في لقائه مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، لم يكن الحديث إجراءً دبلوماسيًا معتادًا، بل محطةً مفصلية لتثبيت الإرادة السياسية العليا. كانت سلطنة عُمان قد بلغت بالمفاوضات ذروتها، وحملت إلى مركز القرار الأمريكي صورة دقيقة لما تحقق: اتفاقٌ قابل للتحقق، واختراقٌ حقيقي، وفرصةٌ لا تتكرر بسهولة.
وعندما أطلّ معالي السيد البدر عبر شاشة برنامج «فيس ذا نيشن» على شبكة سي بي إس الأمريكية، لم يكن يسرد تفاؤلًا سياسيًا، بل يعلن حقيقة تفاوضية مكتملة المعالم .. الاتفاق في متناول اليد، والمفاوضون يحتاجون إلى فسحة زمن قصيرة لإغلاق ما تبقى من ملفات، والهدف النهائي واضح ضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا بصورة نهائية. وكان الاختراق الأبرز يتمثل في موافقة إيران على وقف تخزين أي مواد مخصبة، وهو ما يجعل القدرة العملية على تصنيع سلاح نووي غير ممكنة، بغض النظر عن مستوى التخصيب القائم، إذ إن تصنيع القنبلة لا يقوم على النسبة النظرية وحدها، بل على توافر مخزونٍ تراكمي قابل للاستخدام، وهو ما كان سيُسقط الركيزة التقنية لأي مسار تسليحي محتمل. كان ذلك إعلانًا محسوبًا في مدرسة دبلوماسية راسخة لا تُغريها الأضواء، لكنه كان خطوةً ضرورية لصون مسار بلغ ذروته.
وفي غضون ساعات، اندلعت الحرب.
قصفٌ إسرائيلي على إيران، وانخراط أمريكي مباشر، نقل المنطقة من حافة السلام إلى حافة الاشتعال. المفارقة لم تكن في اندلاع مواجهة، بل في توقيتها. حين يقترب مسارٌ تفاوضي من معالجة جوهر الأزمة، فإن منطق السياسة يفترض ترسيخ النتائج لا تقويضها، غير أن السياسة، حين تتشابك مع الجغرافيا، تتجاوز أحيانًا منطق اللحظة.
فالملف النووي لم يكن وحده في الميزان. الاتفاق المحتمل كان سيعيد رسم معادلة الأمن الإقليمي، ويؤسس لبيئة مختلفة في الخليج، ويحدّ من منطق الردع الدائم، ويفتح الباب أمام حوارٍ إقليمي أوسع يشمل الاقتصاد والأمن وبناء الثقة. وكان سيؤثر مباشرةً على أسواق الطاقة، وعلى استقرار الإمدادات العالمية، وعلى حسابات القوى الكبرى التي ترى في مضيق هرمز شريانًا استراتيجيًا لا يحتمل المغامرة.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة ارتكاز في معادلة النظام الدولي. أي اتفاق مستقر بين واشنطن وطهران كان سيخفف من احتمالات اضطرابه، ويعيد الطمأنينة إلى الأسواق، ويخفض منسوب المخاطر في سلاسل الإمداد العالمية. وفي عالمٍ تتنازع فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا على خرائط النفوذ، فإن استقرار الخليج ليس شأنًا إقليميًا فحسب، إنما ركيزة في توازن القوى العالمي.
ومن هنا يصبح السؤال أوسع من الذرّة: هل كان الاتفاق سيعيد توزيع أوراق القوة بطريقة لا يرغب بعض الفاعلين في قبولها؟ وهل كان السلام ذاته سيقلّص من هوامش التأثير القائمة على إدارة التوتر لا إنهائه؟
سلطنة عُمان، في هذا المشهد، لم تكن مراقبًا. كانت قيادة مسار. لم تُدر وساطةً ظرفية، بل صنعت منصة توازن بين خصمين، وأعادت بناء جسور الثقة، وأوصلت المفاوضات إلى مستوى غير مسبوق.
معالي السيد، رجلُ اللحظةِ التاريخية وراسمُ ملامحِ التفاهم في أكثرِ مراحله تعقيدًا، لم يكن مجردَ وزيرِ خارجية، إنما عقلًا استراتيجيًا متقدّمَ الرؤية، ارتقى بالمفاوضات إلى ذروتها قبل أن تعصفَ بها رياحُ التقويض.
جمع بين الحياد النزيه والصلابة الهادئة، وبين الصبر التكتيكي والرؤية البعيدة. وحين رأى أن اللحظة تستحق إعلان الحقيقة، خرج إلى العلن لا طلبًا لوهجٍ إعلامي، بل دفاعًا عن فرصةٍ تاريخية أوشكت أن تولد.
ومع اندلاع المواجهة، ارتفعت اللغة العُمانية إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية والسياسية. فجاء في تصريح معاليه:
“أشعر بالأسى، لقد تم تقويض المفاوضات الجادة والفعّالة مرة أخرى. لا تخدم هذه الخطوة مصالح الولايات المتحدة ولا قضية السلام العالمي. وادعو الله أن يرحم الأبرياء الذين سيعانون، وأحث الولايات المتحدة على عدم الانجرار أكثر إلى هذه الحرب، إنها ليست حربكم.”
هذا ليس تعبيرًا عابرًا، بل موقف دولة. ليس انفعالًا، بل تحذيرًا استراتيجيًا من انزلاقٍ قد يعيد رسم الخرائط بالقوة، لكنه يترك شقوقًا عميقة في بنية الثقة الدولية.
لقد بلغ المسار التفاوضي عتبة الاتفاق، ثم جاءت الجغرافيا السياسية بثقلها الكامل. وبين إرادة السلام وإرادة التصعيد، تعرّض المشروع لتقويضٍ في لحظةٍ كان يمكن أن تُكتب فيها صفحة مختلفة من تاريخ المنطقة والعالم.
سيُقرأ هذا الفصل يومًا لا بوصفه حربًا اندلعت فحسب، إنما بوصفه لحظة كان فيها السلام ممكنًا. وسيُذكر أن سلطنة عُمان كانت في الضفة التي دفعت حتى النفس الأخير نحو الاستقرار، وأن معالي السيد بدر كان العقل الذي بلغ بالمفاوضات ذروتها، قبل أن تتقدم النيران على التوقيع.
فالحروب قد تبدأ بقرار،
لكن الاستقرار يُبنى بإرادة أطول عمرًا من صوت المدافع.
وفي زمنٍ تتقدم فيه حسابات القوة على حكمة التوازن، يبقى الفرق واضحًا بين من ارتقى بالمفاوضات إلى أعلى قممها، ومن اختار أن يمنح الجغرافيا السياسية الكلمة الأخيرة.



























