الصحوة – في أزمنة الحروب، تُغلق الحدود وتضيق المطارات وتتحول السماء إلى مساحة قلق لا طريق نجاة. لكن بين ضجيج الصواريخ وصخب البيانات العسكرية، يبرز صوت مختلف من مسقط، صوت لا يتحدث بلغة الاصطفاف ولا بمنطق المعسكرات، بل بلغة الإنسان أولًا. وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، أعادت سلطنة عُمان التأكيد على جوهر سياستها حين وجّه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية رسالة إنسانية واضحة عبر منصة «إكس»، معلنًا أن الحكومة العُمانية تعمل مع حكومات العالم وشركات الطيران الدولية لتنظيم رحلات لإعادة العالقين من الخليج إلى أوطانهم، مؤكدًا أن ذلك يشمل الجميع «مهما كان جواز السفر الذي يحملونه»، لأن «مواطني جميع الدول لهم حق إنساني في السلامة والأمن».
لم تكن تلك الكلمات مجرد تغريدة عابرة في فضاء رقمي مزدحم بالأخبار، بل كانت ترجمة حقيقية لنهج عُماني راسخ يرى أن الإنسان يجب أن يبقى خارج حسابات الصراع. وتعكس فلسفة سياسية وإنسانية عميقة جعلت من سلطنة عُمان، على الدوام، مساحة أمان في منطقة تتكرر فيها العواصف.
لقد اعتادت الدبلوماسية العُمانية أن تتحرك بهدوء في أكثر اللحظات تعقيدًا، لكن ما يميز الموقف الحالي أنه يتجاوز إطار الوساطة السياسية التقليدية إلى بعد إنساني مباشر. فحين تتعطل خطوط الطيران وتتبدل خرائط الملاحة الجوية بفعل التصعيد العسكري، تصبح القدرة على فتح ممرات آمنة للمدنيين فعلًا إنسانيًا قبل أن يكون قرارًا سياسيًا. وفي هذا السياق، تقدم مسقط نموذجًا مختلفًا للدبلوماسية؛ نموذجًا يضع قيمة الإنسان فوق كل اعتبار.
ليس هذا الموقف جديدًا على السياسة العُمانية. فمنذ عقود، بنت سلطنة عُمان سمعتها الدولية على التوازن والحكمة والقدرة على مدّ الجسور في اللحظات التي تتقطع فيها خطوط التواصل بين الخصوم. غير أن ما نشهده اليوم يعكس بعدًا إضافيًا في هذا الدور؛ حيث تتحول الدبلوماسية إلى مظلة حماية للمدنيين العالقين وسط توتر إقليمي متصاعد، في رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بحماية الإنسان.
وفي خضم التوترات التي تشهدها المنطقة، يصبح لمثل هذه المبادرات معنى يتجاوز حدود الجغرافيا. فحين تعلن دولة ما أنها تعمل على إعادة العالقين «مهما كانت جنسياتهم»، فإنها تؤكد أن القيم الإنسانية لا ينبغي أن تتجزأ وفق جوازات السفر أو الحسابات السياسية. وهذه هي الفكرة التي لطالما ميزت الخطاب العُماني: أن الأمن ليس امتيازًا لدولة دون أخرى، بل حق إنساني شامل.
هكذا، وبينما تتصاعد أصوات الحرب في الإقليم، تقدم سلطنة عُمان رواية مختلفة عن دور الدولة في زمن الأزمات. رواية تقول إن الحكمة ليست مجرد موقف سياسي، بل ممارسة عملية تبدأ بإنقاذ الإنسان أولًا. ومن مسقط، حيث اعتادت الدبلوماسية أن تتحدث بصوت هادئ، تصل رسالة واضحة إلى العالم: في زمن الصراع، ما زال هناك مكان للعقل… وما زال هناك باب مفتوح اسمه «سلطنة عُمان».



























