الصحوة – علي الحداد
لم يكن ذلك اليوم عابرًا في ذاكرة المنطقة، بل بدا وكأنه لحظةٌ فاصلة في مسارها المضطرب. ففي لحظةٍ اختلطت فيها أنباء الحرب بصمت العواصم، وارتفعت فيها حرارة التوتر إلى حدودٍ غير مألوفة، اندلعت شرارة مواجهةٍ أعادت الشرق الأوسط إلى حافة الأسئلة الكبرى. جاء الاعتداء الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليقوّض مسار المفاوضات النووية الذي كان يقترب من محطته الأخيرة، وليفتح باب مرحلةٍ جديدة من الاضطراب، مرحلةٍ تتشابك فيها حسابات القوة مع هواجس المصير، وتتعاظم فيها المخاوف على مستقبل الأمن والاستقرار: إلى أين تمضي هذه المواجهة؟ وما الذي قد تتركه خلفها من اختلالٍ في موازين الاستقرار الإقليمي؟
ففي لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بارتفاع الأصوات بقدر ما تُقاس بقدرتها على حماية الاستقرار حين يختل ميزان المنطقة. وكانت المنطقة يومها تقف على تخوم إعصارٍ سياسي لا يُرى مداه بوضوح، فيما تتردد في الأفق أصداء المخاوف من أن تتسع دائرة النار في جغرافيا لم تكد تلتقط أنفاسها من أزماتٍ متلاحقة.
وفي تلك اللحظة الدقيقة، مضت سلطنة عُمان على الطريق الذي اختارته لنفسها منذ عقود، طريق الحكمة حين يشتد الصخب، وطريق الاتزان حين تتسارع الانفعالات. لم تنجرف إلى لغة التصعيد، ولم تنخرط في ضجيج المواقف المتعجلة، بل تحركت بدبلوماسيتها الهادئة، مدركةً أن الأزمات الكبرى لا تُدار بارتفاع الأصوات بقدر ما تُدار ببصيرةٍ سياسية تعرف كيف تحمي الاستقرار وتفتح نوافذ الحوار.
وفي قلب هذا المشهد الإقليمي المضطرب يبرز معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، قائدًا لمرحلةٍ سياسية دقيقة، وصوتًا للدبلوماسية المتزنة في الإقليم والعالم التي تسعى بإصرار إلى إعادة البوصلة نحو لغة العقل والحوار. فمن خلال تحركاته المتواصلة واتصالاته المكثفة مع نظرائه في مختلف العواصم، يقود جهدًا دبلوماسيًا حثيثًا لحشد الإرادة الدولية من أجل وقف الحرب واحتواء تداعياتها، مؤكدًا أن طريق الاستقرار لا يُرسم في ميادين المواجهة بقدر ما يُبنى عبر جسور الحوار والتفاهم.
ومنذ الساعات الأولى للأزمة، انطلقت خطوط الاتصال بين مسقط وعدد من عواصم العالم في حركةٍ دبلوماسية اتسمت بالهدوء والجدية في آنٍ واحد. فقد أجرى معالي السيد الوزير سلسلة من الاتصالات مع وزراء خارجية الدول الشقيقة والصديقة، لم تكن مجرد تبادلٍ للأخبار أو التعبير عن القلق، بل حوارات سياسية معمقة استعرضت أبعاد المشهد المتسارع وما قد يحمله من تداعيات على أمن المنطقة واستقرارها.
وفي تلك الحوارات عبّر معاليه بوضوح عن موقف سلطنة عُمان الداعي إلى وقف الحرب والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض بوصفه الطريق الأجدر بإيجاد حلول حكيمة ومخارج متوازنة تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتفتح المجال لتوافقٍ أوسع حول القضايا العالقة.
فالدبلوماسية، في جوهرها العميق، ليست مجرد تبادلٍ للمواقف، بل فنٌّ دقيق لإبقاء أبواب السلام مفتوحة حتى في أكثر اللحظات اضطرابًا وتعقيدًا. وقد لقي هذا الطرح تفهمًا وتأييدًا لدى نظرائه من وزراء الخارجية في الدول الشقيقة والصديقة، الذين أكدوا بدورهم أهمية خفض التصعيد وضبط النفس، معربين عن قلقٍ بالغ إزاء استمرار العمليات العسكرية وما قد تحمله من تهديدٍ جسيم للسلم والأمن الإقليمي والدولي، فضلًا عن تداعياتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية المتفاقمة.
وفي هذا السياق، شارك معالي السيد وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري الاستثنائي الخمسين للمجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبر الاتصال المرئي، مؤكدًا تضامن سلطنة عُمان مع أشقائها في دول المجلس في ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، ومشددًا على أن العمل الجماعي يظل الركيزة الأساسية لمواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية.
ثم توالت اللقاءات والمشاورات مع المجموعات الدبلوماسية المعتمدة لدى سلطنة عُمان، حيث عرض معاليه رؤية سلطنة عُمان إزاء التطورات المتسارعة، مؤكدًا أن وقف العمليات العسكرية يمثل المدخل الضروري لاستعادة التوازن في المنطقة وتهيئة المناخ لعودة المسارات السياسية. كما التقى سفراء دول الاتحاد الأوروبي، وسفراء الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا، إلى جانب سفراء عدد من الدول الآسيوية والأفريقية ودول آسيا الوسطى وأذربيجان، فضلًا عن لقاءات منفصلة مع سفراء الدول الأوروبية غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وسفراء الولايات المتحدة والبرازيل وتركيا، ثم سفراء دول مجلس التعاون وسفراء العراق والأردن ومصر.
وفي هذه اللقاءات المتعددة ظل المحور واحدًا .. البحث في تطورات الحرب وتداعياتها المتسعة على المنطقة والعالم. وقد شدد معالي السيد الوزير خلالها على ضرورة إيلاء الأولوية القصوى لمواصلة الضغوط السياسية والدبلوماسية بهدف إيقاف الحرب واحتواء آثارها، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تستدعي تحركًا إقليميًا ودوليًا واسعًا للحفاظ على الأمن والاستقرار، وأن وقف الحرب يمثل مصلحة وطنية وقومية عليا للجميع.
ومن جهتهم أعرب السفراء عن تقديرهم للجهود العُمانية، سواء في ما يتعلق بمساعي الوساطة السياسية أو بالجوانب الإنسانية الرامية إلى تسهيل حركة العبور والسفر لمواطني مختلف الدول عبر أراضي ومطارات سلطنة عُمان.
وفي امتدادٍ لهذا الحراك الدبلوماسي، عقد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، اجتماعًا جماعيًا مع سفراء الدول العربية الشقيقة المعتمدين لدى سلطنة عُمان، استعرض خلاله تطورات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتداعياتها على المنطقة. وأكد معاليه ضرورة تفعيل التحرك العربي المشترك ومواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لوقف الحرب واحتواء آثارها، بما يحفظ المصالح العليا للمنطقة ويصون أمن شعوبها واستقرارها.
ولعل التجارب المتراكمة في تاريخ المنطقة تُظهر أن الحروب قد تشعل اللحظة، لكنها نادرًا ما تصنع الاستقرار. فالتجارب القريبة والبعيدة تثبت أن الحروب لا تُنهي الأزمات بقدر ما تطيل عمرها، وأن الحلول العسكرية لا تُورث سوى مزيدٍ من الألم وعدم الاستقرار، فيما يبقى الحوار المسؤول والدبلوماسية المتزنة الطريق الأجدر بفتح أبواب التسوية.
وهكذا، بين اتصالاتٍ تمتد عبر الهواتف بين العواصم، واجتماعاتٍ تتوالى في مسقط بإيقاعٍ هادئ، تتشكل صورة حراكٍ دبلوماسي يراهن على العقل حين يعلو التوتر، وعلى الإنسانية حين تضيق الخيارات.
إنه نهجٌ عُماني راسخ يرى أن حماية الاستقرار ليست مهمة ظرفية تمليها الأحداث، إنما مسؤولية مستمرة تُدار بالصبر والبصيرة، وبالإيمان العميق بأن الكلمة المتزنة قد تكون، في أكثر اللحظات اضطرابًا، الطريق الأقصر نحو السلام.




























