الصحوة -علي الحداد
في لحظات التصعيد الإقليمي الحاد، حين تتسارع الأحداث العسكرية وتتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة، تتجه الأنظار عادةً إلى موازين القوة العسكرية. غير أن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أظهرت أن إدارة الأزمات لا تقوم على منطق القوة وحده، بل تحتاج أيضًا إلى دبلوماسية قادرة على احتواء التوتر وفتح مسارات للحوار قبل أن تنزلق الأوضاع إلى صراعات أوسع.
وفي هذا السياق، أعاد التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة إثر الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فتح صفحة جديدة من التوتر في الشرق الأوسط. ولم تكن هذه العمليات العسكرية مجرد تطور عابر في مسار الأزمات المتكررة في الإقليم، بل حملت معها مخاطر انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر حساسية من المواجهات، في ظل توازنات إقليمية دقيقة وتشابك واسع في المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية.
فاستهداف دولة ذات ثقل سياسي وجغرافي في قلب المنطقة لا يمكن فصله عن شبكة التوازنات التي تحكم أمن الخليج واستقرار طرق الطاقة والملاحة الدولية. ولهذا لم يكن القلق الذي عبّرت عنه العديد من الدول مجرد رد فعل دبلوماسي تقليدي، بل انعكاسًا لإدراك متزايد بأن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة في توازناتها الأمنية والسياسية.
ولم تقف تداعيات التصعيد عند حدود الضربات التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل امتدت سريعًا إلى محيط المنطقة مع الهجمات الصاروخية التي أطلقتها إيران واستهدفت دول الخليج، إلى جانب مواقع أخرى في المنطقة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد مستوى القلق الإقليمي، إذ إن انتقال المواجهة إلى أراضي دول أخرى يهدد بتحويل الأزمة إلى صراع أوسع يصعب احتواؤه.
وسط هذه التطورات المتسارعة، جاء الموقف العُماني واضحًا ومتزنًا منذ اللحظة الأولى. فقد أعربت سلطنة عُمان في بيان رسمي عن أسفها الشديد للعمليات العسكرية التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكدة أن مثل هذه الأعمال تتنافى مع قواعد القانون الدولي ومبدأ تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ومحذرة من مخاطر اتساع دائرة الصراع في المنطقة.
وفي الوقت ذاته، أكدت سلطنة عُمان أسفها واستنكارها للهجمات الصاروخية التي استهدفت دول المنطقة، بما في ذلك دول الخليج، مشددة على ضرورة وقف جميع الاعتداءات والأعمال العسكرية التي تقوض أمن المنطقة واستقرارها وسلامة شعوبها.
غير أن الموقف العُماني لم يقتصر على البيانات الدبلوماسية، بل تجسّد في حراك سياسي نشط قاده حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – عبر سلسلة من الاتصالات والمشاورات مع قادة الدول في المنطقة والعالم. فقد شملت هذه الاتصالات قادة دول مجلس التعاون الخليجي وعددًا من القادة العرب، إلى جانب قادة من أوروبا وآسيا وإفريقيا، حيث ركزت هذه المشاورات على ضرورة وقف التصعيد واحترام سيادة الدول والعمل المشترك لإعادة فتح مسارات الحوار والدبلوماسية.
وقد عكس هذا التحرك حضورًا سياسيًا فاعلًا ورؤية تقوم على الاتزان والتعقل في إدارة الأزمات، مؤكدًا أن مسؤولية القيادة في مثل هذه اللحظات الدقيقة لا تقتصر على متابعة تطورات الأحداث، بل تمتد إلى العمل الدؤوب لاحتواء تداعياتها ومنع اتساعها.
كما تلقى جلالته سلسلة من الاتصالات الهاتفية من قادة دول من مختلف مناطق العالم، في تعبير واضح عن تقدير المجتمع الدولي للدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تعزيز الاستقرار الإقليمي. وقد جرى خلال هذه الاتصالات تبادل وجهات النظر حول تطورات التصعيد العسكري وتداعياته على أمن الدول وسلامة شعوبها، مع التأكيد على أهمية تكاتف الجهود الدولية لوقف التوترات المتصاعدة والعودة إلى مسارات الحوار والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، تلقى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – اتصالًا هاتفيًا من فخامة الدكتور مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، جرى خلاله استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها، إلى جانب بحث آخر المستجدات وتطورات الأوضاع الراهنة والجهود المبذولة لخفض التصعيد في المنطقة.
وخلال الاتصال، أكد جلالة السلطان مواقف سلطنة عُمان الثابتة القائمة على الحياد والدعوة إلى التهدئة، معربًا عن عدم رضا عُمان واستنكارها للاستهدافات المستمرة التي تطال أراضيها، ومشددًا على أن سلطنة عُمان تتخذ كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها واستقرارها.
كما شدد الجانبان على أهمية وقف التصعيد والعمل على تغليب لغة الحوار والدبلوماسية، بما يسهم في تجنيب المنطقة تداعيات الحرب وما قد تفرضه من مخاطر على أمن الدول واستقرارها.
وفي هذا الإطار، تندرج الجهود الدبلوماسية التي يقودها معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، والتي تعكس ثبات النهج العُماني القائم على الحوار والاتزان. فقد أكد معاليه في أكثر من مناسبة أن التصعيد العسكري لن يقود إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، داعيًا إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية والاحتكام إلى الوسائل الدبلوماسية لحل الخلافات، مع التشديد على ضرورة احترام سيادة الدول والالتزام بقواعد القانون الدولي.
وقد عُرفت سلطنة عُمان عبر تاريخها الحديث بنهج دبلوماسي يقوم على بناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف والسعي إلى تقريب وجهات النظر في أوقات التوتر. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتجه أنظار عواصم العالم إلى مسقط في مثل هذه اللحظات الحساسة، إدراكًا للدور الذي يمكن أن تؤديه سلطنة عُمان في فتح قنوات الحوار وإعادة إحياء المسارات الدبلوماسية.
إن خطورة التصعيد الحالي لا تتعلق بطبيعة المواجهة العسكرية فحسب، بل بما قد يترتب عليه من تداعيات تمس الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. فالمنطقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية تظل إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، ما يجعل أي اضطراب فيها قضية تتجاوز حدودها الجغرافية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حساس، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يدفع المنطقة إلى دوائر أوسع من المواجهة وعدم الاستقرار. وفي مثل هذه اللحظات الدقيقة، تصبح القدرة على إدارة التوازنات الإقليمية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ومن هنا تبرز قيمة النهج الذي تنتهجه سلطنة عُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المفدى – حفظه الله ورعاه – نهجٌ يقوم على الاتزان والحوار وفتح قنوات التفاهم حتى في أكثر اللحظات توترًا.
ولعل الرسالة الأعمق في هذا النهج أن استقرار المنطقة لا يُصان بتوسيع دوائر المواجهة، بل ببناء مسارات التفاهم، وأن الحكمة في السياسة ليست في إدارة الحروب بقدر ما هي في القدرة على احتوائها ومنع اتساعها قبل أن تبتلع المنطقة بأسرها.




























