الصحوة – علي الحداد
ليست كل الدول تُعرَّف بقدرتها على خوض الحروب، فثمة دول تُعرَّف بقدرتها على تجنبها. وفي منطقةٍ كثيرًا ما كُتبت تحولاتُها تحت ظلال الصراع، اختارت سلطنة عُمان أن تصوغ حضورها بطريقة مختلفة، حضورٌ سياسي يتأسس على حساباتٍ دقيقة لمصالح الاستقرار الإقليمي، وعلى قدرةٍ هادئة في إدارة التوازنات دون الانجرار إلى استقطابات اللحظة. فالدولة التي تعي موقعها في الجغرافيا والتاريخ تدرك أن قوة السياسة لا تقاس فقط بصلابة المواقف، بل بقدرتها على حماية الاستقرار حين تضطرب الموازين من حولها.
ومن هذا الإدراك يتحدد الموقف العُماني إزاء الحرب التي اندلعت في الإقليم عقب الاعتداء الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فمسقط تواصل العمل من أجل وقف الحرب وتهيئة الطريق لعودة المسار الدبلوماسي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استمرار الصراع لا يخدم مصالح المنطقة ولا الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق صرّح معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، بأن سلطنة عُمان رفضت وترفض تقديم أي مستوى من مستويات الدعم الذي يمكن أن يسهم في هذه الحرب أو في أي حرب أخرى، مشددًا على أن أي تسهيلات قد تقدمها سلطنة عمان لا يمكن أن تكون إلا لدواعٍ دفاعية بحتة وعلى أسس دولية مشروعة صريحة وواضحة ومقنعة صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ولا يأتي هذا الموقف بوصفه تقديرًا سياسيًا عابرًا، بل يستند إلى أصلٍ دستوري راسخ في النظام الأساسي للدولة، وتحديدًا في المادة الثالثة عشرة، التي تجعل من توثيق عرى التعاون وتعزيز أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية وقواعد القانون الدولي المعترف بها، مبدأً سياسيًا ثابتًا يهدف إلى ترسيخ السلام والأمن بين الدول والشعوب.
وهو توجه يتناغم فيه موقف القيادة العُمانية مع وجدان المجتمع، فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الإنسان العُماني حمل عبر تاريخه وعيًا عميقًا بقيم الحق والعدالة، وهو ما ينعكس في السياسة التي تنتهجها الدولة حين ترفض الانجرار إلى صراعات لا تخدم استقرار المنطقة.
وفي هذا الإطار ترى مسقط أن الحرب الحالية لا تحظى بالمشروعية وفق قواعد القانون الدولي علاوة على كونها تستهدف دولة جارة وقد اعتبرت سلطنة عُمان أن الهجمات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تمثل حلقة جديدة في سلسلة من الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، محذرة من أن استمرار هذا المسار العسكري لا يهدد إيران وحدها، بل يضع الإطار القانوني الدولي الذي حافظ لعقود على قدر من الاستقرار الإقليمي أمام خطر التآكل.
غير أن القراءة العُمانية لما يجري لا تتوقف عند حدود الحدث العسكري المباشر. وفي هذا السياق صرّح معالي السيد الوزير بأن قرار الحرب لا يرتبط في جوهره بالملف النووي الإيراني، لا سيما أن المفاوضات التي سبقت التصعيد كانت قد بلغت مراحل متقدمة إلى حدٍ كبير، حيث تمكنت الجهود الدبلوماسية من تحقيق اختراق مهم جعل التوصل إلى اتفاق أمرًا قريب المنال.
فقد قدمت إيران تعهدات بعدم امتلاك مواد يمكن أن تُستخدم لإنتاج سلاح نووي، إلى جانب الالتزام بعدم تراكم المواد المخصبة أو تخزينها وتحويل المخزون القائم إلى وقود غير قابل لإعادة المعالجة.
ومن هنا ترى مسقط أن الحرب تندرج في سياق سياسي أوسع يتصل بمحاولات إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فالحرب في هذه القراءة لا تستهدف إيران وحدها، بل تأتي ضمن مسار يسعى إلى إضعافها وإعادة رسم المشهد الإقليمي، والدفع بملفات سياسية حساسة في مقدمتها مسارات التطبيع، في سياق يتقاطع أيضًا مع محاولات إضعاف كل دولة أو مؤسسة تدعم مشروع قيام الدولة الفلسطينية.
كما تشير القراءة العُمانية إلى أن إيران ليست الهدف الوحيد في هذا المشهد المعقد، بل إن المنطقة بأسرها تقف أمام تحولات عميقة. وقد صرّح معالي السيد البدر بن حمد البوسعيدي بأن ما يجري يتجاوز حدود الصراع المباشر، إذ يعكس مسارًا أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
كما شدد معالي السيد على تضامن مسقط مع دول مجلس التعاون الدول الخليج العربية، إلى جانب الأردن والعراق ولبنان، في مواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي.
كما حذرت سلطنة عُمان من أن استمرار الحرب لن يظل شأنًا إقليميًا محدودًا، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي عبر ارتفاع أسعار النفط وتزايد الاضطراب في سلاسل التوريد الدولية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية التي تحكم مقاربة سلطنة عُمان للتطورات الإقليمية، جاءت تصريحات وزير الخارجية خلال لقاءٍ جمعه بعددٍ من القيادات الإعلامية في السلطنة.
وجاءت هذه المواقف في سياق لقاءٍ عقده معالي السيد الوزير مع رئيس وحدة التواصل وتطوير الأداء الحكومي ورؤساء تحرير وكالة الأنباء والصحف والإذاعات العُمانية، حيث جرى خلال اللقاء استعراض التطورات الإقليمية الأخيرة وأهمية التعاطي معها بصدقٍ وموضوعيةٍ ومهنية عالية ومسؤولية،
وخلال اللقاء أكد معالي السيد الوزير على الدور الوطني الذي تضطلع به وسائل الإعلام في نقل الحقائق وتحليل المستجدات، معربًا عن تقديره للخطاب الإعلامي المتزن الذي يواكب الأحداث بثقة واقتدار، دون إساءة لأي طرف أو مبالغة أو تفريط، بما يسهم في ترسيخ الوعي العام وبث الطمأنينة وتعزيز المسؤولية المهنية وحماية المصالح الوطنية.
كما شدد على أهمية استمرار التنسيق والتواصل بين الجهات الرسمية والمؤسسات الإعلامية، بما يضمن تدفق المعلومات الموثوقة وتقديم محتوى إعلامي رصين يعكس مواقف سلطنة عُمان وتوجهاتها ومبادئها القائمة على القيم الإنسانية والأخلاق الحميدة.
وفي السياق ذاته، تطرق اللقاء إلى ما يجسده التضامن الخليجي من أهمية محورية في ظل التطورات الراهنة، حيث جرى التأكيد على ما يجمع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من روابط راسخة ورؤى متقاربة إزاء التحديات الإقليمية، وحرصها المشترك على تعزيز التنسيق والتشاور بما يسهم في صون أمن المنطقة واستقرارها وحماية مصالح شعوبها.
ورغم قتامة المشهد، عبر معالي السيد الوزير عن الأمل في توقف الحرب في نهاية المطاف، مع ضرورة الاستعداد لأسوأ الاحتمالات. كما أشار إلى تنامي نقاش في المنطقة حول فاعلية بعض الترتيبات الأمنية القائمة، داعيًا إلى إعادة النظر في الفلسفة الدفاعية الخليجية.
وهكذا تبدو سلطنة عُمان، في مرحلةٍ إقليمية تتسارع فيها التحولات وتتزايد فيها اختبارات الاستقرار، دولةً اختارت أن تبني مكانتها بطريقة مختلفة، لا عبر ضجيج المواجهات، بل عبر وضوح الرؤية والتعاطي العقلاني معها. ومن مسقط، المدينة التي اعتادت أن تستقبل العالم بهدوء البحر ووقار الجبال، تمتد رسالة عُمان إلى الخليج وإلى العالم بأن بناء الجسور بين الدول يظل الطريق الأجدر بحماية الاستقرار وصون مستقبل المنطقة.





























