الصحوة – مروان بن أحمد الشيذاني
في كل عصرٍ من عصور التاريخ كانت الأمم تُوزن بميزانٍ واحد لا يختلّ ولا يتبدّل: ميزان العلم الذي به تُقاس نهضتها، وبه تُعرف منزلتها بين الشعوب، وبه تُصاغ قدرتها على صناعة المستقبل. ولم تكن الحضارات التي سادت العالم يومًا هي الأشد عددًا أو الأغزر ثروة، بل كانت -قبل كل شيء- الأعمق علمًا والأوسع معرفة. فحين تدرك أمةٌ قيمة العلم تنظر إليه على أنه قوةٌ حقيقية تبني الحضارة وتعيد تشكيل التاريخ.
واليوم، ونحن نعيش في عصرٍ تفجّرت فيه المعرفة وتدفّقت فيه المعلومات عبر كل وسيلةٍ ومنصة، لم يعد الوصول إلى العلم رحلة شاقة محفوفة بالعوائق -كما كان في الأزمنة الماضية-. فقد أصبحت أبواب المعرفة مفتوحة على مصرعيها، وتيسّرت سُبل التعلم بدرجةٍ لم يشهدها تاريخ البشرية من قبل. ومع هذا الاتساع الهائل في فرص التعلم، اشتدّ التنافس على تحصيل الشهادات الأكاديمية، ولا سيما شهادات الدراسات العليا، حتى غدت في كثيرٍ من الأنظمة المهنية والعلمية معيارًا أساسيًا للتميّز ومتطلبًا دوليًا للحضور في ميادين الفكر والبحث. غير أنّ السؤال الذي ينبغي أن نقف عنده وقفة صدقٍ ومصارحة مع أنفسنا هو:
كيف ننظر اليوم إلى شهادات الدراسات العليا؟
هل نراها مناراتٍ للمعرفة، ومفاتيح لخدمة المجتمع، وأدواتٍ لصناعة الوعي والتغيير؟ أم أن كثيرًا منا بات يتعامل معها بوصفها درجةً أعلى على سلّم الوظيفة، أو وسامًا اجتماعيًا يمنح صاحبه مكانةً رمزية تُكسبه تقديرًا شكليًا أكثر مما تمنحه قدرةً حقيقية على التأثير؟ إن الخلل في فهم معنى الشهادة العليا لا يظهر دائمًا في صورةٍ واضحة أو موقفٍ معلن، بل يتسلل في صمتٍ حين يتحول العلم من رسالة إلى غايةٍ شخصية بحد ذاته؛ فيصبح الهدف هو الحصول على الشهادة لا توظيف المعرفة، ويغدو البحث العلمي إنجازًا يُحتفى به في السجلات لا أداةً تُسَخّر لحل مشكلات الواقع.
ولقد علّمنا تاريخ الحضارة الإنسانية درسًا واضحًا لا يقبل الجدل: العلم حين ينفصل عن المجتمع يفقد جزءًا كبيرًا من روحه وقيمته. فحين يتصل العلم اتصالًا حيًا بواقع المجتمع، فإنه يتحول إلى قوةٍ خلّاقة قادرة على الإبداع والتنمية وصناعة المستقبل. ولهذا تؤكد تقارير المؤسسات الدولية المعنية بالتعليم والتنمية أن الدور الحقيقي للتعليم العالي لا يقتصر على إنتاج المعرفة داخل الجامعات، بل يتجاوز ذلك ليشمل خدمة المجتمع، وتعزيز الابتكار، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعندما تتكامل الجامعة مع مجتمعها تصبح المعرفة محركًا للتقدم، لا مجرد إنجازٍ أكاديمي معلقٍ في سجلات النشر العلمي (UNESCO, 2022; OECD, 2023) .
ومن هنا تتجلى المسؤولية العظمى التي تقع على عاتق حملة الشهادات العليا، وفي مقدمتهم المحاضرون والأساتذة الجامعيون. فالأستاذ الجامعي ليس مجرد ناقلٍ للمعلومة داخل قاعة التدريس، ولا باحثٍ يملأ صفحات المجلات الأكاديمية بأوراقٍ تُضاف إلى سجلات النشر؛ بل هو – في جوهر رسالته – قائد فكرٍ، وصانع وعيٍ، ومهندس نهضةٍ في المجتمع. فالعلم الذي يحمله ليس ملكًا شخصيًا يُحفظ في خزائن المعرفة، بل أمانةٌ فكرية ينبغي أن تُردّ إلى المجتمع الذي احتضن مسيرته العلمية وأتاح له أسباب التعلم والبحث.
ولا شك أن للأستاذ الجامعي فضلًا عظيمًا على مجتمعه من خلال تخريج أجيالٍ متعاقبة من المهندسين والأطباء والعلماء والباحثين والمبدعين؛ أولئك الذين يحملون على أكتافهم مسؤولية بناء الأوطان وتطوير مؤسساتها وصناعة مستقبلها. فكم من طبيبٍ أنقذ الأرواح كان خلفه أستاذٌ علمه، وكم من مهندسٍ شيّد عمرانًا كان وراءه معلمٌ غرس فيه أسس المعرفة، وكم من عالمٍ أو مفكرٍ أو قائدٍ فكريٍ انطلقت مسيرته من محاضرةٍ ألقاها أستاذٌ مخلص في قاعةٍ جامعية. ولا ريب أن هذا العمل في ذاته شرفٌ عظيم ورسالة جليلة تسهم في بناء المجتمع جيلًا بعد جيل.
غير أن رسالة الأستاذ الجامعي -على عظمة هذا الدور- لا ينبغي أن تقف عند حدود القاعة الدراسية. فالمعرفة التي تبقى خلف أسوار الجامعة لا تستطيع أن تؤدي رسالتها كاملة، والعلم الذي لا يخرج إلى الناس يظل ناقص الأثر مهما بلغت قيمته الأكاديمية. ومن هنا فإن من واجب الأستاذ الجامعي أن يمد جسور العلم بين الجامعة والمجتمع؛ فيفسّر ظواهره، ويقرأ تحدياته قراءة علمية، ويسهم في معالجة قضاياه بعين الباحث ومنهج العالم. فكم من النماذج العربية والعُمانية المشرّفة حاضرة في جميع زوايا المجتمع، من مؤلفاتٍ وعلومٍ وابتكارات، وغيرها خدمت المجتمع والوطن بل والبشرية جمعاء.
وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إشراكٍ مجتمعي حقيقي؛ بأن يخرج الباحث من عزلته الأكاديمية إلى واقع الناس، يحتك بالميدان، ويستمع إلى تجارب المجتمع، ويقرأ تفاصيله قراءة علمية واعية. وفي هذا المسار تتعاظم مسؤولية الأستاذ الجامعي في أن يؤسس في مجتمعه نهجًا معرفيًا قويمًا، يقوم على توازنٍ راسخ بين ثلاثة مرتكزات كبرى:
- قيم الدين وهديهُ المستمد من كتاب الله وسنة نبيه محمد –صلى الله عليه وسلم-، بما يحمله من منظومة أخلاقية تهذّب الفكر وتوجّه السلوك.
- الهوية الاجتماعية بما تتضمنه من عاداتٍ وتقاليد أصيلة تشكل روح المجتمع وذاكرته الثقافية.
- المنهج العلمي الرصين القائم على البحث والتحليل والنقد.
فعندما تمتزج هذه المرتكزات في مشروعٍ فكري واحد، ينشأ نموذج معرفي متوازن قادر على بناء مجتمعٍ واعٍ، يحافظ على هويته ويواكب في الوقت نفسه حركة العلم والتقدم.
غير أن هذا الطريق ليس طريقًا قصيرًا، ولا مشروعًا سريع النِتاج. فبناء الوعي يحتاج صبرًا، وتغيير الأجيال يحتاج زمنًا طويلًا؛ لإننا لا نحاول تغيير فكرةٍ عابرة، بل نسعى إلى تشكيل عقليةٍ جديدة تؤمن بالعلم والبحث، عقليةٍ ترى في المعرفة قوةً للإصلاح. ولذلك فإن الأستاذ الجامعي الذي يحمل هذه الرسالة ينبغي أن يتعامل معها بروح القائد الذي يخطط للمستقبل؛ فيضع رؤيةً استراتيجية واضحة لتطوير مجتمعه، مستندًا إلى احتكاكه المباشر بالناس، وإلى خبرته العلمية والعملية، وإلى فهمه العميق لاحتياجات الواقع وتحدياته. وعندما يتحقق ذلك، يرتقي دور الأستاذ الجامعي إلى مقامٍ أسمى من مجرد معلمٍ يلقي محاضرةً أو مشرفٍ يتابع بحثًا؛ إذ يتحول إلى مربي أجيال، وباني وعي، وصانع مستقبل.
ومع كل ما سبق، تبقى الحقيقة المُرّة هي هذه:
متى سندرك في مجتمعاتنا أن شهادات الدراسات العليا ليست مجرد سلّمٍ للترقّي الوظيفي، ولا وسامًا يُعلَّق على الصدور، ولا ورقةً تُزيَّن بها السيرة الذاتية بنشر بحثٍ في أرقى المجلات العالمية؟ فهي قبل كل شيء أمانة علم ومسؤولية أخلاقية. وهي إعلان بأن صاحبها امتلك معرفة أعمق، وفهمًا أوسع، وقدرةً أكبر على التفكير والتحليل؛ وبالتالي أصبح مُلزمًا بأن يردَّ هذا العلم إلى المجتمع الذي احتضنه.
فقيمة العلم لا تُقاس بعدد الشهادات، ولا بعدد الأبحاث المنشورة، إنما بقدر ما يُحدثه من أثرٍ في حياة الناس. فمن يحمل شهادة عليا عليه أن يدرك أنه لم يعد فردًا عاديًا في المجتمع؛ بل أصبح جسرًا للمعرفة، وناقلًا للوعي، ومحركًا للتغيير. فمسؤوليته أن يبسّط العلم للناس، وأن يشارك خبرته، وأن يزرع الفكر النقدي، ويسهم في حل مشكلات المجتمع الاقتصادية والعلمية والاجتماعية. وعندما نُدرك هذه الحقيقة، سيتحوّل العلم من غايةٍ فردية إلى رسالةٍ حضارية.
غير أنّ ما يدعو إلى الأسف -بعض الناس- ما زالوا ينظرون إلى هذه الشهادات نظرةً قاصرة؛ فلا يطلبونها إلا للمباهاة، ويجتهدون في تحصيلها لا ليضيئوا بها عقول الناس، إنما ليعلّقوها في المجالس ويضيفوها إلى أسمائهم وألقابهم. فيتحول العلم عندئذٍ من رسالةٍ سامية إلى زينةٍ اجتماعية عابرة، ومن مشروع نهضة إلى وسيلةٍ للوجاهة والترقيات.
وما أشدّ خسارة العلم حين يُفرَّغ من معناه، وما أعظم خسارة المجتمع حين يُختزل العلم في لقبٍ أو درجةٍ وظيفية. فالشهادة العليا التي لا تُثمر علمًا نافعًا، ولا تُحدث أثرًا في المجتمع، تبقى اسمًا بلا روح، وإنجازًا بلا أثر.
لهذا فإن الواجب اليوم على كل من يسلك طريق الدراسات العليا أن يسأل نفسه قبل أن يسأل عن اللقب: أيُّ أثرٍ سيتركه هذا العلم في مجتمعي؟ وأيُّ بصمةٍ سيضيفها إلى وعي الناس وحياة الوطن؟ فإن من يحمل هذه الرسالة بصدق، صار علمه نورًا يمتد أثره في العقول والأجيال. ومن يطلبها للزينة والمباهاة، بقيت مجرد كلماتٍ تسبق اسمه… ولا تتجاوز حدوده.





























