حصريٌّ لـ«الصحوة» – في السنوات الأخيرة بدأت شجرة الزيتون، المرتبطة تاريخيًا بحوض البحر المتوسط، تجد لنفسها موطئ قدم متناميًا في البيئة الزراعية العُمانية، مدفوعة بتجارب علمية ومبادرات تنموية تستهدف تنويع الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي. وبينما شكّل الجبل الأخضر نقطة الانطلاق الأولى لزراعة الزيتون في سلطنة عُمان، تأتي الاتفاقية الأخيرة لزراعة مليون شجرة زيتون في محافظة ظفار لتفتح مرحلة جديدة قد تنقل هذا المحصول إلى نطاق أوسع وأكثر استثمارية.
وفي هذا السياق، أعدّت «الصحوة» هذا التقرير لرصد واقع زراعة الزيتون في سلطنة عُمان وتطورها خلال السنوات الماضية؛ حيث لم تكن شجرة الزيتون من المحاصيل التقليدية في سلطنة عُمان، إلا أن الاهتمام بزراعتها بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي عندما أدخلت الجهات المختصة عدة أصناف عالمية لإجراء تجارب على تأقلمها مع المناخ المحلي. واختيرت منطقة الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية لاحتضان هذه التجارب، نظرًا لارتفاعها الذي يصل إلى نحو 2000 متر فوق سطح البحر واعتدال مناخها مقارنة ببقية مناطق سلطنة عُمان.
وقد أثبتت التجارب الأولية نجاح الأشجار في التأقلم والإثمار، ما شجع المزارعين والجهات الحكومية على التوسع التدريجي في زراعتها، لتتحول خلال السنوات الماضية إلى محصول واعد يضاف إلى سلة الإنتاج الزراعي في البلاد.
واليوم يُعد الجبل الأخضر المركز الرئيسي لزراعة الزيتون في سلطنة عُمان، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 17 ألف شجرة زيتون موزعة في القرى الجبلية، مع زراعة نحو 25 صنفًا مختلفًا من الأصناف العالمية المعروفة بإنتاجها الجيد للزيت.
وتشهد المنطقة موسم حصاد سنوي يبدأ عادة في أواخر الصيف، إذ تنتج المزارع عشرات الأطنان من ثمار الزيتون، ويتم استخراج آلاف اللترات من زيت الزيتون العُماني الذي بات يحظى بإقبال محلي متزايد نظرًا لجودته المرتفعة. وتشير بعض التقديرات إلى أن قيمة الإنتاج السنوي من زيت الزيتون في الجبل الأخضر تصل إلى نحو 200 ألف ريال عُماني.
هذا التطور لم يقتصر على الجانب الزراعي فحسب، بل أسهم أيضًا في تعزيز السياحة الزراعية في المنطقة، حيث بات موسم الحصاد مناسبة لاستقطاب الزوار عبر فعاليات ومهرجانات مرتبطة بقطف الزيتون وتجربة عصر الزيت.
ورغم هذه النجاحات، لا يزال إنتاج الزيتون في سلطنة عُمان محدودًا مقارنة بحجم الطلب المحلي. وتشير البيانات إلى أن إنتاج سلطنة عُمان من الزيتون بلغ نحو 83 طنًا في عام 2022، وهو رقم متواضع إذا ما قورن بالكميات المستوردة من الزيتون وزيت الزيتون، والتي تتجاوز عشرات الآلاف من الأطنان خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا الفارق حجم الفرص المتاحة لتوسيع زراعة الزيتون محليًا، خصوصًا مع تزايد الاهتمام بإدخال محاصيل ذات قيمة اقتصادية عالية ضمن خطط التنويع الزراعي.
وفي هذا السياق يأتي الإعلان عن توقيع اتفاقية استثمار أرض زراعية بنظام حق الانتفاع لزراعة مليون شجرة زيتون في محافظة ظفار مع شركة «جي أو سي» بقيمة استثمارية تتجاوز 15 مليون ريال عُماني، في خطوة تعكس توجهًا لتوسيع نطاق هذا المحصول خارج الجبل الأخضر.
وتستند هذه الخطوة إلى نتائج تجارب زراعية أجريت في جبال ظفار، لا سيما في مناطق مثل جبل القمر ووادي عيدم، حيث أظهرت الدراسات إمكانية تأقلم أشجار الزيتون مع البيئة الجبلية في المحافظة، التي تتميز بارتفاعها واعتدال مناخها نسبيًا.
ويُتوقع أن يسهم المشروع الجديد في إنشاء أحد أكبر مشاريع الزيتون في المنطقة، إذ يمكن لمليون شجرة زيتون أن تنتج مستقبلًا عشرات الآلاف من الأطنان من ثمار الزيتون سنويًا، ما يفتح الباب أمام تطوير صناعات مرتبطة مثل معاصر الزيت، والتصنيع الغذائي، والتصدير الزراعي.
ويمثل التوسع في زراعة الزيتون جزءًا من توجه أوسع لتعزيز الاستثمارات الزراعية المستدامة في سلطنة عُمان، حيث يسهم هذا المحصول في تنويع مصادر الدخل الزراعي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إضافة إلى خلق فرص عمل في المناطق الريفية والجبلية.
كما أن نجاح التجارب في الجبل الأخضر، وبدء مشاريع استثمارية واسعة في ظفار، يشيران إلى إمكانية تشكل قطاع زيتون عُماني متكامل خلال السنوات المقبلة، يجمع بين الزراعة والإنتاج والتصنيع والسياحة الزراعية.
ومع استمرار الأبحاث الزراعية واختيار الأصناف الملائمة للبيئة المحلية، قد تتحول سلطنة عُمان تدريجيًا إلى منتج إقليمي لزيت الزيتون عالي الجودة، خاصة في المناطق الجبلية ذات المناخ المعتدل.
وفي حال نجاح مشروع ظفار المرتقب، فإن شجرة الزيتون قد تنتقل من كونها تجربة زراعية محدودة في الجبل الأخضر إلى قطاع استثماري واسع النطاق يعزز حضور سلطنة عُمان في خريطة الإنتاج الزراعي في المنطقة، ويضيف محصولًا جديدًا إلى مسيرة تنويع الاقتصاد الوطني.





























