حصريٌّ لـ«الصحوة» – تكشف دراسة أكاديمية حديثة بعنوان «أسماء البلدات العُمانية التي غيّرها السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله: دراسة لغوية استقرائية تحليلية»، أعدّها الباحثان الدكتور عامر فائل محمد بلحاف وإبراهيم بن حمد بن سالم الشبيبي من جامعة الشرقية، عن جانب دقيق من جوانب التحول اللغوي والثقافي الذي رافق نهضة عُمان الحديثة، إذ لم تتعامل مع تغيير أسماء بعض البلدات بوصفه إجراءً شكليًا أو إداريًا فحسب، بل بوصفه فعلًا دلاليًا وثقافيًا مقصودًا، ارتبط برؤية أوسع لتحديث الذوق العام، ومواءمة الأسماء مع صورة الدولة وهي تخطو نحو العصرنة والعمران والارتقاء الحضاري. وتوضح الدراسة أن البحث انطلق من سؤالين مركزيين: هل كان هذا التغيير ملحًا؟ وكيف تم؟ وانتهى إلى أن التغيير كان في جوهره استجابة لابتذال المعنى في عدد من الأسماء القديمة، مع اعتماد آليات لغوية مدروسة في الاستبدال، من بينها التغيير لمناسبة، أو التخفيف اللفظي مع حفظ الوزن والنغمة، أو الإتيان بالضد، أو التسمية بما يلائم المكان.
وبحسب الدراسة التي نشرتها عمادة البحث العلمي بجامعة السلطان قابوس، فإن هذه الظاهرة لم تكن محدودة في نطاق جغرافي ضيق، بل شملت مختلف محافظات سلطنة عُمان باستثناء مسندم والبريمي، ورصد الباحثان 37 بلدة تغيّرت أسماؤها خلال عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مع ملاحظة أن نصيب محافظتي شمال الشرقية وجنوبها كان الأوفر، ثم شمال الباطنة وجنوبها، تليهما الداخلية، فمسقط، ثم ظفار والظاهرة والوسطى، كما لفتت الدراسة إلى أن ولاية صور وحدها شهدت تغيير أسماء ست بلدات. وترى الدراسة أن هذا التوزع الجغرافي يعكس حضور الفكرة في عموم البلاد: أينما وُجد اسم يحمل دلالة منفرة أو غير ملائمة، جاء التدخل لتبديله باسم أكثر انسجامًا مع المجتمع العُماني وقيمه ومزاجه الحضاري.
◉ ما دلالات الأسماء وكيف تغيّرت؟
وتؤكد الدراسة أن السبب الأبرز وراء هذا التغيير هو ما سمّته «ابتذال المعنى»، وهو ابتذال ظهر في أكثر من صورة. فهناك أسماء ارتبطت بطابع الخلو والفضاء والبداوة في وقت كانت فيه البلدات تدخل طورًا جديدًا من العمران؛ مثل سيح الكدس الذي أصبح حي التراث، وسيح القاع الذي صار حي السعد، والواوا التي تحولت إلى حي السلام. وهناك أسماء حملت دلالات دينية أو اجتماعية أو نفسية غير مستحسنة، مثل الصليب والفاسقة والعريانة ووبال والمَيْسر وضالة، إلى جانب أسماء أخرى ارتبطت بحشرات أو حيوانات أو صفات منفرة، مثل عقرب وقميلة وأم الجعاريف والخايسة والمسخوطة والمحترق. كما رصدت الدراسة أسماء ارتبطت بلغات عربية جنوبية قديمة أو ألفاظ محلية غامضة لم تعد مفهومة لدى عموم الناس، مثل خيجول وبراصاص وبطحت وفضحات، وهو ما جعل الإبقاء عليها بوصفها أسماء لبلدات حديثة أمرًا غير منسجم مع السياق الجديد للدولة والمجتمع.
وفي التفاصيل، تسوق الدراسة أمثلة متعددة تكشف كيف انتقلت الأسماء من الإيحاء السلبي إلى المعنى الرحب أو المشرق. فبلدة عقرب في ولاية عبري أصبحت أرحب؛ انتقالًا من دلالة العقرب بما تحمله من وحشة وأذى إلى معنى السعة والرحابة. وقميلة في جعلان بني بو علي صارت أصيلة؛ فرارًا من إيحاءات الحقارة والحشرة الصغيرة إلى معنى الأصالة والعراقة. والقبريين في المضيبي أصبحت الباهية؛ انتقالًا من الغموض والإيحاء بالموت إلى البهاء والحسن. وحصيبة في الكامل والوافي صارت حصينة؛ مبتعدة عن ظلال المرض أو العذاب إلى معاني الحصانة والقوة. وحلة الجوع في السويق أصبحت حلة الجود؛ في مقابلة دلالية واضحة بين الحرمان والكرم. والغبنة في السيب صارت حلة آل يوسف؛ ابتعادًا عن دلالة الغبن وما يحمله في الدارجة من إيحاءات سلبية، إلى اسم مرتبط بالقبيلة والاستقرار.
وتظهر البراعة الدلالية، كما ترى الدراسة، أيضًا في الأسماء التي ارتبط تغييرها بمناسبات أو سياقات موضعية. فـبطحت في الجازر أصبحت أمل، وهي من مواضع استخراج النفط، في تسمية ترجّح الدراسة أنها جاءت تيمنًا بأمل تدفق هذا المورد واستمراره. وسيح الكدس تحولت إلى حي التراث تخليدًا للاحتفال بعام التراث العُماني سنة 1994. أما الملعب في صحار فأصبح الملتقى، في انتقال من معنى اللعب المحدود إلى معنى أوسع يوحي بتنوع الوظيفة الاجتماعية للمكان. وكذلك ميناء السلطان قابوس في مطرح، الذي قام في موضع كان يعرف قديمًا باسم اربق، المرتبط بربط الدواب والحيوانات، فجاء الاسم الجديد معبرًا عن المكانة الوطنية والاستراتيجية للميناء في عهد النهضة.
وفي نطاق الأسماء التي تم تبديلها بضدها أو بما يرفعها معنًى ووقعًا، تشير الدراسة إلى أن الفاسقة في صحار أصبحت العفيفة، والحمة في قريات وسَمائل أصبحت العافية، والخايسة في إزكي صارت النقية، والمحترق في السويق تحول إلى المعتمر، وهي أمثلة تقول الدراسة إنها تجسد قاعدة دلالية واضحة: استبدال اللفظ المنفر بآخر يبعث الطمأنينة والتفاؤل. وفي السياق نفسه، تحولت العريانة في مطرح إلى العرين، في نقل لافت من معنى التعري والانكشاف إلى معنى المأوى والقوة، وصارت ضالة في الخابورة ظليلة، بما يحمله الاسم الجديد من إيحاء بالظل والراحة بدل الضلال أو التيه. كما تبدلت وبال في سمائل إلى منال، والمَيْسر في المضيبي إلى المُيَسَّر، فانتقل المعنى من الثقل أو الالتباس أو المحذور الديني إلى اليسر والعطاء والبلوغ.
◉ ما سياق التغيير؟
ومن أكثر ما يلفت في الدراسة أنها لا تكتفي بإيراد الأسماء، بل تعود إلى جذورها المعجمية والبيئية والاجتماعية لتفسير دوافع التغيير. فـ”غبن” في الجازر صارت الخضراء، لأن الاسم القديم يحمل معاني الخداع والنقص، فيما يحمل الجديد إيحاءات الخصب والراحة والابتهاج. وبراصاص التي رجحت الدراسة اتصالها باللغة المهرية، أصبحت ذهبان؛ إذ رأت أن الاسم القديم إمّا مجهول المعنى لدى عموم الناس أو موحٍ بمرض البرص، بينما الاسم الجديد يوحي بالمعدن النفيس المحبوب. ونكح في المضيبي أصبحت الزاهرة، لأن اللفظ القديم يستدعي ذهنيًا معاني النكاح والوطء، وهي معانٍ لا تليق باسم مكان، في حين يمنح الاسم الجديد إيحاءً بالإيناع والبهجة. كما تحولت الدباغ في لوى إلى الزاهية، بما يعكس انتقالًا من دلالة مرتبطة بحرفة وروائح وآثار غير محببة إلى لفظ يوحي بالجمال والازدهاء.
وتتوسع الدراسة في رصد أمثلة أخرى على هذا التحول؛ فـالصليب/الصليبي في جعلان بني بو علي أصبحت الصلبة، مع المحافظة على جزء من البنية الصوتية وإزاحة الدلالة الدينية غير المرغوبة. والخيسة في صور صارت طيبة، بعد أن كان الاسم القديم مرتبطًا بمستنقع ومخلفات وروائح كريهة. و”فق” في نيابة طيوي أصبح عبق، في انتقال من معنى الانفراج المكاني إلى معنى الرائحة الطيبة العالقة بالمكان والذاكرة. وأم الجعاريف في جعلان بني بو علي أصبحت العين؛ لوجود عين ماء، وهو مثال صريح على التسمية بما يوجد في المكان. وفضحات في صور صارت فرحات، محافظة على النغمة تقريبًا مع قلب الدلالة من الفضيحة إلى الفرح. وحيضا/حيْضى في صور أصبحت فيحاء؛ لأن الاسم القديم قد يستدعي حيض النساء بما يحمله من حرج اجتماعي، بينما يحمل الجديد دلالات السعة والخصب والعطر.
وفي ظفار والظاهرة والباطنة والداخلية، تستمر السلسلة الدالة على منطق التغيير نفسه. فـخيجول في طاقة أصبحت مدينة الحق، في تسمية ترى الدراسة أنها تجمع بين الاستقرار الذي توحي به “المدينة” والسمو الذي يحمله “الحق”. والإفرنجي في عبري صارت المروجي، مبتعدة عن الإحالة إلى الغريب أو المستولي، ومتجهة إلى معنى المروج والرياض. والمسخوطة في بهلا أصبحت المعمورة، في انتقال من السخط وعدم الرضا إلى معنى العمران والحياة. وأم خروان في صور صارت نسمة، بعد أن لاحظت الدراسة احتمال إيحاء الاسم القديم بدلالة منحطة، فجاء الاسم الجديد منسجمًا مع طبيعة المكان ونسائمه. ومخرمة في صور أصبحت نعمة، إذ تورد الدراسة رواية شفوية مفادها أن السلطان قابوس – رحمه الله – لما رأى وفرة السمك على شاطئها قال: “هذه نعمة”. كذلك تغير اسم أم الأعنة/أم العنة في شناص إلى النعمى، بما يحمله الاسم الجديد من دلالات الراحة والرفاه، وتحولت الفشغة في وادي بني خالد إلى الوشاح، في انتقال من لفظ قد يستدعي الجرح أو الانفشاغ إلى معنى الزينة والتجمل.
◉ ما الذي تكشفه الدراسة؟
ومن الخلاصات المهمة التي تنتهي إليها الدراسة أن هذا التغيير لم يكن عفويًا، بل كان «تغييرًا دلاليًا مقصودًا»، سبقته – في نظر الباحثين – صورة ذهنية جديدة للاسم، ثم تكرست بعد ذلك في صورة لفظية جديدة. ولهذا لاحظت الدراسة أن بعض الأسماء انتقل من المحسوس إلى المجرد، كما في: عقرب → أرحب، القبريين → الباهية، وحصيبة → حصينة، وأم خروان → نسمة، وهو انتقال عدّته الدراسة علامة على تطور في الحس اللغوي والحياة العقلية في المجتمع. كما كشفت الدراسة عن اتساق واضح في آليات التغيير؛ مرة من خلال مناسبة شهدتها البلدة، ومرة عبر تعديل طفيف في اللفظ يحفظ الوزن أو الجرس، ومرة بإسباغ الصفة المضادة، ومرة بالتسمية المرتبطة بالمكان، ومرة بتوظيف صيغ اسم الفاعل أو المفعول لإنتاج وقع أكثر إشراقًا مثل: الباهية والزاهية والزاهرة والمعمورة.
وفي المحصلة، تضع هذه الدراسة أمام القارئ العُماني صورة بالغة الدلالة عن مشروع النهضة في بعده اللغوي؛ فكما تغيّرت الطرق والمدن والمؤسسات، تغيّرت أيضًا أسماء بعض الأماكن لتلائم زمنًا جديدًا وصورة جديدة للدولة والمجتمع. ومن خلال الجهد الذي بذله الباحثان عامر فائل محمد بلحاف وإبراهيم بن حمد بن سالم الشبيبي، يتضح أن تغيير أسماء هذه البلدات لم يكن مسألة لفظية عابرة، بل جزءًا من هندسة رمزية أوسع، أرادت أن تجعل الاسم نفسه شريكًا في البناء، وحاملًا لمعنى ينسجم مع التفاؤل والذوق العام والهوية الحضارية لعُمان في عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه. واللافت أن الدراسة لا تكتفي بتوثيق الأسماء القديمة والجديدة، بل تقرأها بوصفها مرآة لتحولات المجتمع العُماني، ودليلًا على أن اللغة، مثلها مثل العمران، تدخل هي الأخرى في مشروع النهضة عندما يُعاد تشكيلها على نحو يرفع المعنى ويهذب الذوق ويقرّب الاسم من روح المكان والإنسان.




























