الصحوة – منى بنت سليمان الجهورية
في زمنٍ يُمجَّد فيه الشغف، أصبح هذا المفهوم يُستخدم أحيانًا بطريقة تُفرغه من معناه الحقيقي. يُقال للإنسان: “اعمل بشغف”، لكن لا يُقال له: لا تُرهق نفسك حتى تُطفئ نورك، ولا تُعطِ حتى تضيع حقوقك. وبين هذا وذاك، يجد الإنسان نفسه عالقًا بين حب ما يفعل، وبين استنزافٍ لا يشعر به إلا بعد أن يتعب.
في ديننا، العمل عبادة، والسعي مطلوب، لكن العبادة لا تقوم على الظلم، ولا على إهلاك النفس. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (سورة الأعراف: 85)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90)، فلا يجوز أن تُنقص حقوق الآخرين، كما لا يجوز أن يُنقص حقك.
وقال النبي ﷺ: “إنَّ لِنفسِكَ عليكَ حقًّا” (رواه البخاري)، وقال ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، وهي قواعد عظيمة تُعيد التوازن في حياة الإنسان، فلا يطغى جانب على آخر.
ومن هنا يبرز السؤال: من المسؤول عن تدمير هذا الشغف؟ هل هو صاحب العمل الذي قد يستغل حماس الموظف، فيُحمّله ما لا يُطاق، ويجعل الشغف بديلًا عن الحقوق؟ أم بيئة العمل التي تُكافئ الصمت، وتُشجّع التضحية المفرطة، وتُصوّر الراحة على أنها تقصير؟ أم نحن، حين نسكت ونجامل، ونعطي بلا حدود، حتى نُرهق أنفسنا ونُبرر ذلك باسم الشغف؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة، وهنا تأتي النصيحة التي ينبغي أن تُفهم بميزان العدل. فالأصل أن يتقي الإنسان ربه في كل موضع وُكّل إليه، وأن يدرك أن الأعمال لا تُبارك بالكثرة فقط، بل بالعدل والإحسان، وأن كل جهدٍ يُبذل بميزانٍ صحيح يُثمر راحة في الدنيا وأجرًا في الآخرة.
فمن كان صاحب قرار أو مسؤولًا عن غيره، فليتّقِ الله فيمن يعمل معه، ولا يجعل شغفهم بابًا لاستنزافهم، بل يُنصفهم ويُقدّر عطائهم، فالقوة ليست في تحميل الناس فوق طاقتهم، بل في العدل بينهم، ومن كان تحت يده أمانة فإما أن يحفظها أو يُسأل عنها.
ومن كان جزءًا من بيئة عمل، فليحذر أن يكون سببًا في إرهاق غيره، بكلمةٍ تُثقل أو ضغطٍ لا يُحتمل، فكم من شغفٍ انطفأ لا بسبب العمل نفسه، بل بسبب من حوله. فليكن عونًا على الخير، لا سببًا في إطفاء الحماس.
أما الإنسان نفسه، فليتذكر أن حفظ النفس واجب، وأن السكوت عن استنزافها ليس صبرًا محمودًا دائمًا، بل قد يكون تفريطًا في حقٍ جعله الله له. فلا يُعطِ بلا حدود، ولا يُرهق نفسه باسم الشغف، بل يوازن بين عطائه وراحته، ويضع حدودًا تحفظ كرامته وطاقته.
ويبقى الشغف نعمة إذا وُضع في موضعه الصحيح، وقاد صاحبه باعتدال، لكنه يتحول إلى عبءٍ حين يُساء استخدامه؛ فليس ما يقتل الشغف هو العمل، بل غياب العدل، وسكوت الإنسان عن حقه حتى يذوب بصمت.
اللهم ارزقنا عدلًا في أنفسنا ومع غيرنا، وبصيرةً نزن بها أعمالنا، وقوةً نُقيم بها الحق دون أن نظلم أو نُظلم، وبارك لنا في أعمالنا واجعلها خالصة لوجهك الكريم.




























