الصحوة – سعاد الوهيبية
تشهد الأجواء المحلية في سلطنة عُمان هذه الأيام الارتفاع الصيفي المعتاد في درجات الحرارة بالتزامن مع اقتراب دخول فصل الصيف فلكياً، وضمن القراءات المناخية الدورية، سجلت أربع ولايات عُمانية درجات حرارة مرتفعة تضعها مؤقتاً ضمن القائمة اليومية لأعلى درجات الحرارة المرصودة عالمياً خلال الأيام الماضية، ويأتي هذا الارتفاع المتوقع في سياق مناخي طبيعي يرتبط ببداية “موسم القيظ” السنوي، وهو الموسم الذي يترقبه القطاع الزراعي في سلطنة عمان كعامل أساسي لنضج وجودة ثمار النخيل؛ فكما يُقال: “ربَ ضارةٍ نافعة”.
المواقع الجغرافية للمناطق المتأثرة
رصدت محطات المديرية العامة للأرصاد الجوية تجاوز درجات الحرارة عتبة الـ 48 درجة مئوية في أربع مدن رئيسية تشغل مواقع حيوية في الخارطة العُمانية، وتتوزع بين الساحل والداخل على النحو التالي:
- ولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة، وتطل مباشرة على بحر عُمان، حيث يمتزج فيها التأثير الساحلي بالامتداد السهلي.
- ولاية السويق والتي تعد أكبر الولايات بمحافظة شمال الباطنة، وتتميز بامتدادها الجغرافي الواسع وقربها من سلاسل جبال الحجر الساحلية.
- ولاية الرستاق والتي تعتبر العاصمة التاريخية لمحافظة جنوب الباطنة، إذ تعد ولاية داخلية تحيط بها الجبال من عدة جهات، مما يعزز من احتباس الحرارة في أوديتها وسهولها.
- ولاية العامرات بمحافظة مسقط، وتتميز بطبيعتها الجبلية الوعرة وإحاطتها بمرتفعات صخرية داكنة تمتص الحرارة وتزيد من حدة الطقس الساخن.
الأسباب العلمية والجغرافية لارتفاع الحرارة
يعزو الخبراء والمختصون في مجال الأرصاد الجوية هذا الارتفاع القياسي إلى تداخل معقد بين العوامل الفلكية والتضاريسية المحلية، والتي يمكن إيجازها في ثلاثة أسباب رئيسية:
- تمركز المرتفع الجوي (القبلة الحرارية): يتركز في طبقات الجو العليا فوق شبه الجزيرة العربية مرتفع جوي قوي يعمل كغطاء محكم، حيث يقوم بدفع الهواء الهابط إلى الأسفل وضغطه، مما يؤدي إلى تسخينه ذاتيًا واحتباس الإشعاع الشمسي والحرارة القريبة من سطح الأرض، ومنعها من الارتداد أو التبريد بواسطة التيارات الهوائية العلوية.
- التعامد الفلكي لمدار السرطان: إذ تمر سلطنة عمان فلكيًا بفترة حرجة تقترب فيها الشمس من التعامد المباشر على مدار السرطان الذي يمر بمنتصف البلاد تقريبًا، وهذا التعامد يرفع زاوية سقوط أشعة الشمس لتصبح شبه عمودية في شهر يونيو، مما يرفع كفاءة الإشعاع الشمسي ويؤدي إلى قفزات حادة في درجات الحرارة قبل حلول الانقلاب الصيفي الفعلي في الحادي والعشرين من الشهر الجاري.
- تأثير الرياح المحلية وطبيعة التضاريس: تلعب الرياح الغربية والشمالية الغربية الجافة السائدة (رياح السموم) دورًا بارزًا في هبوط كتل هوائية شديدة السخونة من الصحاري والسهول الداخلية نحو السفوح والمناطق الساحلية، وبسبب الطبيعة الجبلية لولايات مثل الرستاق والعامرات، تعمل الجبال كحواجز طبيعية تزيد من حدة الاحتباس الحراري السطحي.
موسم القيظ: الجانب الإيجابي للحرارة العالية
على الرغم من المشقة التي تكابدها القطاعات الخدمية والعمالية جراء الطقس اللاهب، إلا أن هذا الارتفاع يُعد “بشارة خير” طال انتظارها لدى القطاع الزراعي العُماني، حيث يتزامن هذا التوقيت مع انطلاق موسم القيظ، وهو المرحلة الاقتصادية الأهم لمزارعي النخيل؛ إذ تعمل الحرارة الشديدة كإنضاج طبيعي متسارع لثمار الرطب، مما يرفع من جودتها السكرية، ويسرع من تدفق المحاصيل إلى الأسواق المحلية، محولًا القيظ الشديد إلى موسم وفرة وعطاء اقتصادي واجتماعي ترتبط به الهوية العُمانية منذ القدم.



























