حصريٌّ لـ«الصحوة» – شهدت سلطنة عُمان صدور قانون مؤسسات المجتمع المدني بموجب المرسوم السلطاني رقم (64 / 2026)، ليحل محل قانون الجمعيات الأهلية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (14 / 2000)، في خطوة تشريعية تمثل تحديثًا شاملاً للإطار القانوني المنظم للعمل الأهلي والتطوعي، وتواكب التطورات التي شهدها القطاع خلال العقود الماضية.
ولا يقتصر التغيير على تعديل بعض المواد أو الإجراءات، بل يمتد إلى إعادة صياغة مفهوم العمل الأهلي والمجتمعي بصورة أكثر شمولًا، من خلال إدراج كيانات جديدة وتنظيمها لأول مرة، وتوسيع نطاق الحوكمة والرقابة والشفافية، ووضع قواعد أكثر تفصيلًا للتمويل والإدارة والعقوبات.
* من «الجمعيات الأهلية» إلى «مؤسسات المجتمع المدني»
أبرز ما يلفت الانتباه في القانون الجديد أنه انتقل من تنظيم الجمعيات الأهلية فقط إلى تنظيم منظومة أوسع تحت مسمى «مؤسسات المجتمع المدني».
ففي حين كان قانون عام 2000 يركز على الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية وبعض الأنشطة المرتبطة بها، وسّع القانون الجديد نطاق التنظيم ليشمل أربعة مكونات رئيسية هي: الجمعيات الأهلية، والمؤسسات الأهلية، والأندية الاجتماعية، والفرق التطوعية، مع منح الوزير صلاحية تنظيم أشكال أخرى من مؤسسات المجتمع المدني مستقبلاً.
ويعكس هذا التوسع تطور المشهد المجتمعي في سلطنة عُمان وظهور أنماط جديدة من العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية لم تكن منظمة بشكل مستقل في القانون السابق.
* تنظيم الفرق التطوعية لأول مرة
ومن أبرز المستجدات التي حملها القانون الجديد تخصيص باب كامل للعمل التطوعي، وهو ما لم يكن موجودًا في قانون الجمعيات الأهلية لعام 2000.
وأصبح العمل التطوعي يخضع لإطار قانوني واضح يشترط الترخيص، وينظم تشكيل الفرق التطوعية وإدارتها وحساباتها المصرفية وآليات التمويل الخاصة بها.
كما نص القانون على أن يكون في كل ولاية فريق تطوعي واحد يمارس نشاطه في نطاقه الجغرافي، مع إمكانية الترخيص لفريق إضافي إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
* ظهور «المؤسسات الأهلية» برأسمال مليون ريال
ومن الإضافات الجديدة كذلك استحداث كيان قانوني جديد هو «المؤسسة الأهلية».
وأجاز القانون إنشاء مؤسسة أهلية بواسطة شخص واحد أو أكثر من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين أو منهما معًا، بشرط تخصيص مال نقدي أو عيني لا يقل عن مليون ريال عماني.
كما أجاز إنشاء المؤسسة الأهلية بموجب وصية موثقة، مع تنظيم مجلس أمناء يتولى إدارتها، وحظر استخدام أصول المؤسسة أو موجوداتها لتحقيق مصالح شخصية للمؤسسين أو أعضاء مجلس الأمناء.
وهذا النوع من المؤسسات لم يكن موجودًا في قانون عام 2000.
* توسيع مجالات عمل الجمعيات
في القانون السابق كانت مجالات عمل الجمعيات محددة بصورة أكثر تقييدًا، إذ نصت المادة الرابعة على مجالات بعينها مثل رعاية الأيتام والطفولة والأمومة والخدمات النسائية ورعاية المسنين والمعوقين، مع اشتراط عدم العمل في أكثر من مجال واحد إلا بموافقة الوزير.
أما القانون الجديد فقد تبنى مفهومًا أكثر اتساعًا للجمعيات الأهلية، فنص على إمكانية تأسيسها لتحقيق أهداف اجتماعية أو خيرية أو تنموية أو توعوية أو ثقافية، دون حصرها في قائمة محددة من الأنشطة.
* حوكمة أكبر لمجالس الإدارة
وأدخل القانون الجديد تغييرات مهمة على إدارة الجمعيات. فبينما كانت مدة مجلس الإدارة في القانون السابق سنتين، أصبحت في القانون الجديد ثلاث سنوات.
كما وضع القانون لأول مرة سقفًا لاستمرار الأعضاء في مجالس الإدارة، إذ أجاز التجديد لدورة واحدة فقط، ومنع العضو من الترشح مجددًا إلا بعد مرور ست سنوات من انتهاء عضويته.
ويُنظر إلى هذا التغيير باعتباره خطوة نحو تعزيز تداول المسؤوليات وضخ دماء جديدة في مجالس الإدارات.
* تعزيز الشفافية المالية
وفي جانب الحوكمة المالية، احتفظ القانون الجديد بعدد من الأحكام الموجودة في القانون السابق، مثل إلزام الجمعيات بإعداد ميزانية سنوية وحساب ختامي، والاستعانة بمدقق حسابات خارجي إذا تجاوزت الإيرادات أو المصروفات عشرة آلاف ريال عماني.
لكنه أضاف متطلبات جديدة تعزز الشفافية، من بينها إلزام الجمعيات بنشر حساباتها الختامية على مواقعها الإلكترونية قبل انعقاد الجمعية العمومية، والإفصاح عن مصادر التمويل والميزانية السنوية، وتحديث بياناتها ومشروعاتها ومصادر تمويلها بصورة دورية في قاعدة بيانات الوزارة.
* السماح بالاستثمار ومنع المضاربة
وأبقى القانون الجديد على مبدأ منع الجمعيات من الدخول في المضاربات المالية، لكنه منحها مساحة أوسع للاستثمار، إذ أجاز لها استثمار إيراداتها في مشروعات تجارية تدعم أنشطتها وتساعدها على تحقيق أهدافها، وفق الضوابط التي ستحددها اللائحة التنفيذية.
ويعد ذلك تطورًا لافتًا مقارنة بالقانون السابق الذي اكتفى بالسماح باستغلال فائض الإيرادات في أعمال تحقق عائدًا بعد موافقة الوزارة.
* تشديد العقوبات
ومن أكثر الجوانب التي شهدت تغييرات واضحة العقوبات.
ففي قانون عام 2000 كانت العقوبات في معظمها محدودة نسبيًا، إذ لم تتجاوز في بعض الحالات السجن لمدة ستة أشهر أو غرامة قدرها 500 ريال عماني.
أما القانون الجديد فقد رفع سقف العقوبات بصورة ملحوظة، حيث فرض غرامات تصل إلى 10 آلاف ريال عماني على إنشاء مؤسسات مجتمع مدني دون ترخيص، مع مصادرة الأموال المتحصلة.
كما نص على عقوبات تصل إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامات تصل إلى 30 ألف ريال عماني في بعض المخالفات الجسيمة، مثل تكوين تشكيلات ذات طابع عسكري أو أمني، أو التدخل في الشؤون السياسية أو الطائفية أو القبلية، أو الدعوة إلى التمييز والعنصرية والكراهية، أو تقديم مساعدات خارج سلطنة عُمان بطرق مخالفة للقانون.
* استمرار بعض المبادئ الأساسية
ورغم التحديثات الواسعة، حافظ القانون الجديد على عدد من المبادئ الأساسية التي كانت قائمة في التشريع السابق، من بينها ضرورة الحصول على ترخيص قبل التأسيس، وخضوع المؤسسات لإشراف الوزارة، واشتراط موافقة الوزير على بعض صور التعاون أو التمويل الخارجي، ومنع المضاربات المالية، وتنظيم جمع التبرعات، وإمكانية منح بعض الجمعيات صفة النفع العام بقرار من مجلس الوزراء.
* مرحلة جديدة للعمل الأهلي
ويؤسس قانون مؤسسات المجتمع المدني لمرحلة جديدة في تنظيم العمل الأهلي والتطوعي في سلطنة عُمان، إذ يجمع بين توسيع نطاق العمل المجتمعي وإدخال كيانات جديدة إلى المنظومة القانونية، وبين تعزيز الحوكمة والشفافية والرقابة المالية والإدارية.
ومع منح المؤسسات القائمة مهلة تصل إلى عام واحد لتوفيق أوضاعها، تترقب الجمعيات والفرق التطوعية والمؤسسات المعنية صدور اللائحة التنفيذية التي ستوضح الكثير من التفاصيل والإجراءات التطبيقية، وتحدد بصورة أدق آليات تنفيذ الأحكام الجديدة على أرض الواقع.




























