حصريٌّ لـ«الصحوة» – على امتداد أكثر من خمسين عامًا، شكّلت الزيارات المتبادلة بين سلطنة عُمان والجمهورية الفرنسية محطات مفصلية في مسيرة العلاقات الثنائية، إذ لم تقتصر على الطابع البروتوكولي، بل أسهمت في توسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي والثقافي بين البلدين. وتأتي زيارة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم – حفظه الله ورعاه – إلى فرنسا لتضيف محطة جديدة إلى هذا السجل الدبلوماسي الممتد، الذي بدأ في عهد المغفور له بإذن الله تعالى السُّلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه.
ولا تأتي هذه الزيارة بمعزل عن سياقها التاريخي؛ فهي امتداد لمسار بدأ مبكرًا في عهد المغفور له بإذن الله تعالى السُّلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي وضع منذ سبعينيات القرن الماضي أسس السياسة الخارجية العُمانية الحديثة، القائمة على الانفتاح والتوازن وبناء الصداقات مع مختلف دول العالم. وكانت فرنسا من بين الدول الأوروبية التي نسجت معها سلطنة عُمان علاقات وثيقة، تعززت بالزيارات المتبادلة على مستوى القادة، وبالتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والثقافية.
وتشير الذاكرة الدبلوماسية للعلاقات بين البلدين إلى أن أول زيارة رسمية قام بها السُّلطان قابوس بن سعيد إلى فرنسا كانت في ديسمبر 1974، بعد نحو أربعة أعوام من توليه مقاليد الحكم. وقد شكّلت تلك الزيارة محطة مبكرة ومهمة في مسار الحضور العُماني الجديد على الساحة الدولية، إذ فتحت الباب أمام مرحلة من التواصل المباشر مع القيادة الفرنسية، ورسخت رغبة البلدين في بناء علاقة سياسية واقتصادية متقدمة، في وقت كانت فيه سلطنة عُمان تمضي بثبات نحو ترسيخ نهضتها الحديثة وتوسيع شبكة علاقاتها الخارجية.
وبعد تلك الزيارة بسنوات، عاد السُّلطان قابوس إلى فرنسا في زيارة رسمية أخرى خلال الفترة من 30 مايو إلى 2 يونيو 1989، بدعوة من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران. وجاءت الزيارة في مرحلة كانت فيها العلاقات العُمانية الفرنسية قد أخذت أبعادًا أوسع، سواء في التعاون السياسي أو الاقتصادي أو الدفاعي، كما عكست المكانة التي اكتسبتها سلطنة عُمان بوصفها دولة ذات سياسة متزنة وحضور مؤثر في محيطها الخليجي والعربي والدولي.
وفي المقابل، شهدت سلطنة عُمان زيارات رفيعة من رؤساء فرنسيين، عكست اهتمام باريس بعلاقاتها مع مسقط. وكانت زيارة الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان إلى سلطنة عُمان في مارس 1975 من أبرز المحطات المبكرة في هذا المسار، إذ جاءت بعد أشهر قليلة من زيارة السُّلطان قابوس إلى فرنسا، بما يعكس سرعة التقارب السياسي بين البلدين في تلك المرحلة، ورغبة الجانبين في تحويل التواصل الدبلوماسي إلى شراكة عملية ومباشرة.
كما زار الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران سلطنة عُمان في يناير 1992، في مرحلة إقليمية حساسة أعقبت حرب الخليج الثانية، حيث برزت أهمية سلطنة عُمان بوصفها طرفًا خليجيًا معتدلًا يحافظ على توازنه السياسي ويدعم الاستقرار الإقليمي. وقد مثّلت تلك الزيارة تأكيدًا جديدًا على عمق العلاقات بين مسقط وباريس، وعلى استمرار التشاور السياسي بين البلدين في القضايا الإقليمية والدولية.
وفي يناير 2006، زار الرئيس الفرنسي جاك شيراك سلطنة عُمان، لتضيف هذه الزيارة محطة ثالثة إلى سجل الزيارات الرئاسية الفرنسية إلى مسقط. وجاءت الزيارة في سياق علاقات متنامية بين البلدين، شملت مجالات متعددة من بينها التعاون الاقتصادي والاستثماري والدفاعي، إلى جانب التنسيق السياسي في عدد من الملفات الإقليمية.
ومع تولي حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم – حفظه الله ورعاه – مقاليد الحكم، دخلت العلاقات العُمانية الفرنسية مرحلة جديدة تستند إلى الإرث الراسخ الذي بناه السُّلطان الراحل، وتنفتح في الوقت ذاته على أولويات الحاضر والمستقبل، خاصة في قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة. ومن هنا تكتسب زيارة جلالته إلى فرنسا أهميتها الخاصة، كونها أول زيارة رسمية لجلالته إلى باريس منذ توليه الحكم، كما تأتي في توقيت يشهد فيه العالم تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، وتزداد فيه أهمية الشراكات الدولية المتوازنة.
كما تأتي الزيارة في ظل توجه سلطنة عُمان نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمارات الأجنبية واستقطاب الشراكات النوعية الداعمة لأهداف رؤية «عُمان 2040»، الأمر الذي يمنح العلاقات مع فرنسا مساحة أوسع للنمو، خصوصًا في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والخدمات اللوجستية، والصناعات المتقدمة، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والذكاء الاصطناعي.
وبين زيارة السُّلطان قابوس إلى فرنسا عام 1974، وزيارة السُّلطان هيثم المرتقبة، تبدو العلاقات العُمانية الفرنسية وكأنها تتحرك في خط دبلوماسي متصل، بدأ بالتأسيس السياسي، ومرّ بمرحلة الترسخ والتعاون، ثم ينتقل اليوم إلى مرحلة الشراكة المستقبلية. فالزيارات المتبادلة بين القادة لم تكن مجرد مناسبات رسمية، بل كانت محطات مفصلية في بناء الثقة وتوسيع المصالح المشتركة وتأكيد مكانة سلطنة عُمان شريكًا موثوقًا في المنطقة.


























