الصحوة – علي الحداد
كلما تعقدت الطرق ، عادت إلى مسقط. وليس لأن الجغرافيا وضعتها في منتصف الطريق ، بل لأن الدبلوماسية العمانية تجيد إدارة الأزمات ، وتتقن هندسة الاتفاقات ، فتمنح التفاوض أثره ، وتمنح الوساطة معناها. ولم تبلغ مسقط هذه المكانة إلا بما راكمته من ثقة، وما رسخته من حضور، حتى غدت عنوانا يطمئن إليه العالم ، وملاذا يجد فيه الحوار متسعا كلما ضاقت السبل.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تسلك فيها الملفات المعقدة طريقها إلى عُمان ، ولن تكون الأخيرة. فمنذ سنوات ، رسخت الدبلوماسية العمانية حضورها بثبات لا يتبدل ، وروية لا تستعجل النتائج ، حتى غدت الوساطة فيها نهجا لا يُستدعى عند الأزمات ، بل يحضر معها منذ لحظتها الأولى ، وتغدو مسقط مساحة يلتقي فيها المختلفون قبل أن تتسع بينهم مسافات الخلاف.
وفي ظل النهج الذي أرساه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – في ترسيخ الدبلوماسية العمانية نهجا للحوار ، وسبيلا لصناعة السلام ، تواصل مسقط حضورها الوازن في أكثر القضايا تعقيدا . وفي رحاب هذا النهج ، يواصل معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، هندسة مسارات الحوار ، وصياغة التفاهمات ، وتجسيد الثوابت العُمانية ، حتى غدا الحضور العُماني أكثر رسوخا في أعقد الملفات على المستويين الإقليمي والدولي.
ولا تنظر عُمان إلى التفاوض بوصفه وسيلة لفرض الإرادات ، بل بوصفه المساحة التي تستعيد فيها السياسة قدرتها على التقريب بين الأقطاب. ولا ترى في الوساطة وقوفا بين مواقف متقابلة ، وإنما تهيئة للحظة التي يصبح فيها الاتفاق ممكنا ، ويغدو السلام المستدام ثمرة لحوار وجد من يصونه ، قبل أن يبحث عمن يديره.
وحين نقلت شبكة إيه بي سي نيوز ، نقلا عن مسؤول أمريكي ، أن مسقط ستستضيف جولة جديدة من المحادثات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، لم يكن الخبر إعلانا عن دور جديد ، إنما شاهدا آخر على نهج دبلوماسي رسخته سلطنة عُمان امتداد السنين. وسرعان ما جاءت الوقائع تؤكد ذلك ، إذ حط وزير الخارجية الإيراني ، الدكتور سيد عباس عراقجي ، في مسقط على رأس وفد إيراني ، لإجراء مشاورات مع معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي ، وزير الخارجية ، حول مستجدات مضيق هرمز. وبين ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية إرنا عن مواصلة المشاورات العمانية الإيرانية لتيسير العبور الآمن للسفن ، وما أوردته وكالة أكسيوس عن ترقب دولي لما ستفضي إليه لقاءات مسقط ، وما أبداه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من تفاؤل بإمكان الوصول إلى تفاهم ، بدا المشهد بأكمله يؤكد حقيقة واحدة ، أن مسقط لا تنتظر الأزمات لتصنع حضورها ، وإنما تعود إليها الأزمات كلما ضاقت بها الخيارات ، واتسعت الحاجة إلى الحوار.
وهكذا ، لا تستضيف سلطنة عُمان المفاوضات بقدر ما تستضيف فرصة جديدة للتفاهم. ففي رحابها لا يكون الهدوء ابتعادا عن المشهد ، بل أسلوبا في حضوره ، ولا يكون الإصغاء إجراءً دبلوماسيا ، بل بداية الطريق إلى اتفاق قد يتعذر في غيرها. ولهذا ، كلما عاد العالم إلى مسقط ، لم يكن يعود إلى مدينة فحسب ، بل إلى تجربة أثبتت ، مرة بعد أخرى ، أن الحوار ليس استراحة بين صراعين ، إنما الطريق الذي يمنح السياسة فرصة أخرى ، ويفتح للمنطقة والعالم نافذة أخرى نحو سلام مستدام.




























