الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
في عالم تتسع فيه مساحات الاستقطاب، وتزداد فيه محاولات تقسيم الدول والشعوب إلى محاور متنافسة، تبرز تجارب استطاعت أن تقدم نموذجًا مختلفًا؛ نموذجاً لا يرى الاختلاف تهديداً، بل فرصة لبناء مساحات مشتركة.
فالحضارة ليست فقط إرثاً تاريخياً، بل قدرة على إنتاج قيم وأنماط تفكير تساعد المجتمعات على بناء مستقبلها. ومن هذا المنطلق، تأتي سلطنة عُمان والصين ضمن التجارب التي نجحت، كلٌّ بطريقتها الخاصة، في تحويل الاختلافات إلى جسور للتنمية والسلام.
فعُمان جعلت من موقعها التاريخي والجغرافي نقطة التقاء بين الحضارات والمحاور، ورسخت نهجاً دبلوماسياً يقوم على الحوار والاعتدال وبناء الثقة. أما الصين، فقد استطاعت من خلال تجربتها التنموية أن تجمع بين عناصر مختلفة بدت متعارضة في النماذج الاقتصادية التقليدية، وتحولها إلى قوة بناء ونهضة جعلتها إحدى أهم القوى الاقتصادية في العالم.
وبين التجربتين قاسم مشترك: أن النجاح لا يأتي من إلغاء الاختلافات، بل من القدرة على إدارتها وتحويلها إلى عناصر قوة.
لقد قدمت سلطنة عُمان نموذجاً فريداً في المنطقة، فلم تبنِ حضورها على سياسة المحاور أو الدخول في صراعات النفوذ، بل على سياسة الجسور والانفتاح والتواصل.
فمنذ نهضتها الحديثة، رسخت عُمان نهجاً يقوم على الاعتدال والتسامح واحترام التنوع، انطلاقاً من إرث حضاري جعلها عبر التاريخ نقطة تواصل بين الشرق والغرب، وبين الشعوب والثقافات المختلفة.
وقد استمر هذا النهج في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، من خلال تعزيز رؤية عُمان القائمة على الاستقرار، والانفتاح، وبناء الشراكات المتوازنة، وترسيخ حضور السلطنة كدولة تؤمن بالحوار والتعاون بين الأمم.
ولم يكن هذا النهج مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح جزءاً من هوية سياسية تقوم على أن الحوار لا يعني التنازل، وأن التواصل مع مختلف الأطراف لا يعني غياب المواقف، بل يعكس القدرة على إدارة الاختلاف بحكمة ومسؤولية.
ولهذا أصبحت مسقط مساحة للثقة، ووجهة للحوار، وعنواناً للدبلوماسية الهادئة التي تبحث عن الحلول بدل تعميق الانقسامات.
أما الصين، فقد قدمت تجربة مختلفة في مجال التنمية، عندما أعادت صياغة العلاقة بين الاشتراكية واقتصاد السوق، فلم تتعامل معهما باعتبارهما نموذجين متصارعين لا يمكن الجمع بينهما، بل صاغت نموذجها الخاص الذي جمع بين دور الدولة في التخطيط الاستراتيجي، وآليات السوق والانفتاح الاقتصادي.
وكانت النتيجة قفزة تنموية تاريخية نقلت الصين خلال عقود قليلة إلى مركز متقدم في الاقتصاد العالمي، وجعلتها لاعباً رئيسياً في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
إن خصوصية التجربة الصينية لم تكن في اختيار أحد النموذجين، بل في قدرتها على الاستفادة من مزايا كل منهما، وتحويل الاختلاف إلى مصدر قوة. فالدول الناجحة ليست التي تهرب من التعقيدات، بل التي تعرف كيف تديرها وتصنع منها فرصاً جديدة.
ولم تقتصر فلسفة البناء الصينية على الاقتصاد، بل امتدت إلى العلاقات الدولية. فكان اتفاق بكين بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 2023 محطة مهمة، عندما استطاعت الصين رعاية تفاهم بين طرفين إقليميين بعد سنوات من التوتر.
وقد عكس هذا الاتفاق تحولاً في طبيعة الأدوار الدولية؛ فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو السياسية، بل بالقدرة على بناء الثقة، وخلق المصالح المشتركة، وتحويل التنمية إلى مدخل للاستقرار.
وهذا المسار يلتقي مع خبرة عُمان الطويلة في تشجيع الحوار الإقليمي، بما يؤكد أن صناعة السلام في المنطقة أصبحت تحتاج إلى تكامل أدوار متعددة، تجمع بين الدبلوماسية والتنمية وبناء الثقة.
ومن هذا المنطلق يأتي التوافق بين مبادرة الحزام والطريق الصينية ورؤية عُمان 2040 بوصفه لقاءً بين رؤيتين تؤمنان بأن التنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة، وأن الاستقرار يصبح أكثر رسوخاً عندما يرتبط بمصالح اقتصادية وتنموية مشتركة.
فمبادرة الحزام والطريق لا تقوم فقط على الموانئ والطرق والاستثمارات، بل تحتاج إلى أمن إقليمي يحمي حركة التجارة والتواصل بين الشعوب. وفي المقابل، تسعى رؤية عُمان 2040 إلى تعزيز مكانة السلطنة كمركز اقتصادي ولوجستي عالمي مستفيدة من موقعها الاستراتيجي.
ومن هنا فإن العلاقة بين مسقط وبكين ليست مجرد تعاون اقتصادي، بل تقاطع بين تجربتين تنظران إلى التنمية باعتبارها طريقًا لتعزيز السلام والاستقرار.
ويأتي اليمن باعتباره مساحة يمكن أن تلتقي فيها هذه الرؤى؛ فاستقراره لا يرتبط بالحل السياسي فقط، بل يحتاج إلى سلام اجتماعي وثقافي يعيد بناء الثقة، ويحفظ النسيج المجتمعي، ويعالج آثار الانقسام التي خلفتها سنوات الصراع.
ومن هذا السياق، تبرز الرؤية العُمانية القائمة على الجمع بين الحوار السياسي، وبناء السلام المجتمعي، وربط الاستقرار بالتنمية. فموقع اليمن على باب المندب وبحر العرب يمنحه أهمية استراتيجية في منظومة التجارة والتواصل الإقليمي، كما أن استقراره يمثل عاملًا مهماً لتعزيز فرص التنمية والتكامل المرتبطة بالحزام والطريق ورؤية عُمان 2040.
إن بناء السلام في اليمن لا ينبغي أن يقتصر على إنهاء المواجهات، بل يجب أن يمتد إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع، وتعزيز ثقافة التعايش والشراكة الوطنية، بما يجعل السلام عملية مستدامة لا مجرد اتفاق مؤقت.
وعلى هذا الأساس ، تبرز أهمية مقاربة تجمع بين الخبرة العُمانية في الحوار وبناء السلام المجتمعي، والقدرة الصينية على ربط التنمية بالاستقرار، بما يدعم مسارًا مستدامًا للسلام في اليمن.
خلاصة الرؤية
تقدم عُمان والصين درساً مهماً في عالم يبحث عن توازنات جديدة: فالاختلافات ليست دائمًا مصدر صراع، بل يمكن أن تصبح مصدر قوة عندما تُدار بحكمة.
فالصين حولت التباين بين الاشتراكية واقتصاد السوق إلى نهضة تنموية، وعُمان حولت تنوع العلاقات والمحاور إلى جسور للحوار والسلام.
وعندما تلتقي خبرة التنمية الصينية مع حكمة الدبلوماسية العُمانية، فإن الفرصة لا تكون فقط لتعزيز العلاقات بين البلدين، بل للمساهمة في بناء مستقبل إقليمي يجعل السلام طريقًا للتنمية، والتنمية ضمانة لاستمرار السلام.
فالقوة في عالم اليوم لا تكون فقط في امتلاك النفوذ، بل في القدرة على تحويل الاختلاف إلى تعاون، والتنوع إلى قوة، والسلام إلى مشروع تنمية.
وتبقى المهمة اليوم هي ترجمة هذا التوافق في الرؤى إلى مبادرات عملية، يكون اليمن أحد عناوينها الأولى، بما يعزز فرص السلام والتنمية في المنطقة.




























