الصحوة – علي الحداد
تمضي الأفكار في السياسة أعمارا أطول من الحروب نفسها. قد تنتهي المعارك خلال أيام ، بينما تبقى الفرضيات التي سبقتها تحكم التفكير السياسي لعقود ، إلى أن يأتي حدث واحد يضعها جميعا أمام امتحان لا تستطيع اجتيازه. عندها لا يكون السؤال عن الحرب ذاتها ، بقدر ما يكون عن الفكرة التي جعلتها ممكنة ، وعن التصورات التي وجهت السياسات قبل أن يختبرها الواقع.
وحين صاغ معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي ، وزير الخارجية، رؤيته في صحيفة لوموند الفرنسية ، لم يكن يكتب تعليقا على حرب ، بقدر ما كان يفتح بابا لمراجعة إحدى أكثر الفرضيات رسوخا في التفكير الأمني الإقليمي منذ عام 1979. لم ينشغل بوصف ما جرى في الميدان ، بل اتجه إلى ما هو أبعد من ذلك ، إلى الفكرة التي سبقت الحرب ، وإلى الأساس الذي قامت عليه منظومة أمنية رافقت المنطقة لعقود طويلة.
تستقر الفرضيات طويلا في صميم التفكير السياسي ، حتى يتوقف كثيرون عن مساءلتها ، إلى أن يأتي الواقع ليكشف المسافة بينها وبين الحقيقة. ومن هذا المنطلق ، تبرز القيمة الفكرية لمقال معالي البدر فهو لم يتوقف عند موازين القوة ، ولا عند حسابات المنتصر والخاسر ، وإنما طرح سؤالا أكثر عمقا .. ماذا يحدث حين تُبنى السياسات على فرضية لا تنسجم مع طبيعة المكان ؟
على امتداد السنين ، بدا وكأن أمن الخليج يمكن أن يدار من خلال رؤية واحدة ، وأن الاستقرار يتحقق كلما ازدادت أدوات الردع ، واتسعت دوائر العزل ، وتعاظم الحضور العسكري. ومع مرور الوقت ، تحولت هذه الرؤية إلى مسلمة سياسية. غير أن الحرب الأخيرة أعادت طرح السؤال الذي ظل مؤجلا طويلا .. هل كان الخلل في الوسائل ، أم في الفكرة التي قادت إليها ؟
إن ما طرحه معالي السيد بدر لا يقف عند نقد سياسة بعينها ، بل يتجاوز ذلك إلى مراجعة الأساس الذي قامت عليه تلك السياسة. فالجغرافيا لا تملك رفاهية الإقصاء ، فهي تجمع ما تحاول السياسة ، في بعض اللحظات ، أن تفرقه. والتاريخ لا يعترف بالفراغ ، وما تتجاور حدوده على الأرض لا يمكن عزله في التصورات السياسية دون أن ينعكس أثر ذلك على الجميع. وقد تؤجل السياسة اعترافها بما تفرضه الجغرافيا ، لكنها لا تستطيع أن تغيره. فالمكان أكثر صبرا من الصراعات ، وأطول عمرا من التحالفات ، وما يكتبه البحر في ذاكرة الأمم لا تمحوه ضوضاء الحروب. ولهذا ، فإن أي منظومة أمنية لا تستوعب حقائق المكان تظل معرضة لأن يصححها الواقع ، مهما بلغت قوتها.
ولذلك لم يكن حديثه عن مضيق هرمز حديثا عن ممر بحري فقط ، بل عن مسؤولية تتجاوز حدود الإقليم إلى القانون الدولي والاقتصاد العالمي. فسلطنة عُمان ، بوصفها إحدى الدولتين المشاطئتين لهذا المضيق الحيوي ، لا تنظر إليه بوصفه ورقة ضغط أو ساحة تنافس ، إنما مسؤولية تقتضي العمل مع الدولة الساحلية الأخرى ، ومع المجتمع الدولي ، لصياغة ترتيبات واقعية ودائمة تكفل حرية الملاحة وتحمي أحد أهم شرايين التجارة العالمية .
غير أن الرؤية العمانية لا تتوقف عند هرمز. فالمشهد ، كما أوضح معالي البدر ، أوسع من مضيق ، وأبعد من أزمة. إنه فضاء بحري يمتد إلى بحر العرب ، وباب المندب، وشمال غرب المحيط الهندي ، حيث تتشابك الموانئ، ومسارات الطاقة ، وخطوط التجارة في منظومة واحدة. ومن يقرأ هذا الامتداد بعين التجزئة يخطئ فهمه ، لأن الجغرافيا لا تعمل بوصفها جزرا منفصلة ، بل شبكة مترابطة يستمد كل جزء فيها استقراره من استقرار الكل .
ومن هنا جاءت الإشارة إلى الدول الثماني المطلة على الخليج ، لا باعتبارها توصيفا جغرافيا ، بل تأسيسا لرؤية سياسية جديدة. فهي تتقاسم البحر والمصالح والمصير ، ولذلك لا يكتمل الأمن المشترك ما دام أحد أطرافه خارج معادلته ، ولا يؤدي استبعاد أي طرف إلى غيابه ، بل إلى تغيير الطريقة التي يحضر بها.
ولا تقف هذه الرؤية عند مراجعة فلسفة الاحتواء ، بل تتقدم نحو بديل أكثر انسجاما مع طبيعة الإقليم. فالمسألة ليست استبدال اصطفاف بآخر ، ولا نقل مركز الثقل من جهة إلى أخرى ، وإنما الانتقال من منطق يقوم على العزل إلى منطق يقوم على المشاركة في تحمل مسؤولية الأمن الجماعي. فالمشاركة هنا ليست خيارا سياسيا ، بل نتيجة تفرضها طبيعة الإقليم نفسه.
ولهذا جاءت الدعوة إلى مراجعة العلاقات مع الشركاء الدوليين ، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ، بوصفها مراجعة للتوازن لا للتاريخ ، وللمستقبل لا للماضي. فالرؤية العمانية لا تنقض الشراكات الراسخة ، ولا تدعو إلى القطيعة ، وإنما تدعو إلى مواءمتها مع واقع أثبت أن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على فرضيات أثبتت الأحداث محدوديتها. وفي الإطار نفسه ، جاءت الإشادة بالدور البناء الذي اضطلعت به فرنسا في مشاورات حرية الملاحة ، تأكيدا على أن المطلوب ليس إقصاء القوى الدولية ، بل توجيه أدوارها بما يخدم أمن المنطقة ويحترم القانون الدولي.
ومن زاوية أخرى ، أعاد معالي السيد الوزير توجيه النقاش إلى مصدر التهديد نفسه. فالمسألة ، في تقديره ، لا تتعلق بما تنتجه المنطقة من مخاطر ، بقدر ما تتعلق بالقرارات التي تتخذ خارجها ، وما تتركه من أثر في معادلات الأمن والاستقرار. ولهذا ، فإن الحرب التي اندلعت خارج مظلة الشرعية الدولية ، ولم تحقق الأهداف التي أُعلنت من أجلها ، ينبغي أن تكون بداية لمراجعة أعمق ، لا ذريعة لإحياء فرضيات أثبت الواقع محدوديتها.
ولذلك ، لم تكن الحرب ، في هذه الرؤية ، نهاية قصة ، بل بداية مراجعة. فهي لم تفتح جراح المنطقة فقط ، بل فتحت بابا لإعادة النظر في منظومة أمنية رافقتها قرابة نصف قرن. وهنا تتحول الدبلوماسية من إدارة للحظة إلى صناعة للمستقبل ، ومن متابعة الأحداث إلى مراجعة الأفكار التي تنتجها.
هكذا ، لا يصبح المقال الذي طرحه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي في لوموند تعليقا على حرب ، ولا قراءة لحدث سياسي آني ، بل مراجعة فكرية لعقود من التصورات التي حكمت الأمن الإقليمي. وفي هذا المستوى من الطرح ، لا يظهر معالي البدر بوصفه وزير خارجية يتابع تطورات أزمة ، بل مفكرا استراتيجيا يعيد مساءلة الفرضيات التي صنعت المشهد قبل أن يعيد قراءة نتائجه. ومن هنا ، تتجاوز قيمة مقاله حدود التعليق السياسي ، لتكشف عن رؤية تستند إلى أن صناعة الأمن لا تبدأ من إدارة الأزمات ، بل من مراجعة الأفكار التي تنتجها.
وإذا كانت الحرب قد انتهت ، فإن السؤال الذي أثارته سيبقى مفتوحًا .. كيف يمكن بناء أمن مستدام في منطقة لا تستطيع الجغرافيا فيها أن تقصي أحدا ؟ ولعل الإجابة تبدأ حين تمتلك السياسة شجاعة مراجعة نفسها ، لأن التاريخ أثبت ، مرة بعد أخرى ، أن المكان لا يخضع للفرضيات ، بل يدفع السياسة دائمًا إلى العودة إلى حقائقه .




























