الصحوة – سارا سلطان
لم تعُد الأنديَة الرّياضيّة في العصر الحديث تُقاس بما يحدث داخل الملعب؛ فخارج خطوط الملعب تُبنى قيمةُ النّادي من خلال هُويّته وسرديّته والتّجارِب الّتي يصنعها حول وجوده الرّياضيّ، لتُصبح جزءً من ذاكرة الجمهور والمُجتمع.
فالنّادي الّذي يحوّل تاريخه، وجمهوره، واِرتباطه بمكانه إلى تجارِبَ يعيشها النّاس؛ يمتلك أصولًا غير ملموسة لا تظهر في صورة مُنشآتٍ أو مُمتلكاتٍ ماديّة، وإنّما تمنحه قُدرةً على بناء قيمةٍ مُستمرّةٍ خارج المُنافسة الرّياضيّة.
وتقدّم تجرِبة فريق الخضراء المُنتسب لنادي المضيبيّ نموذجًا لقراءة هذا التّحوّل؛ إذ تكشف كيف يُمكن لفريقٍ أهليّ أن ينتقل من كيانٍ رياضيّ إلى كيانٍ تتقاطعُ فيه الرّياضة مع الثّقافة والمُجتمع.
المَكان يبني الهُويّة
تبدأُ قصّةُ فريق الخضراء من البيئة الّتي شكّلت حضوره؛ فمنذُ تأسيسه عام 1980م، اِرتبط بالمُجتمع المحلّيّ في ولايَة المضيبيّ، وأصبح جزءً من ذاكرتها الاِجتماعيّة والثّقافيّة.
فالمضيبيّ ليست مجرّد ولايَةٍ اِحتضنت فريقًا رياضيًّا، وإنّما ولايَةً تحمل اِمتدادًا تاريخيًّا وثقافيًّا أسهم في تكوين ملامح المُجتمع الّذي ينتمي إليه الفريق؛ فمن مواقعها الأثريّة الّتي تكشف حضور الإنسان فيها، إلى تنوّع بيئتها ترسّخ اِرتباط أهلها بها عبر عاداتٍ وتقاليدَ ومُمارساتٍ توارثتها الأجيال.
ومن المضيبيّ اِنبثقت هُويّة فريق الخضراء، حاملةً قيمًا اِجتماعيّة وذاكرةً جماعيّة؛ فلم تتكوّن هُويّتها من النّتائج الرّياضيّة، وإنّما من التّجارِب الّتي عاشها أبناء الولايَة، والمواهب الّتي اِحتضنها، والمُبادرات الّتي وسّعت دوره داخل المُجتمع.
وتجسّد مسيرة الحارس العُمانيّ علي الحبسيّ هذه العَلاقة بين المكان والموهبة؛ إذ تُبيّن كيف يمكن للبيئات المحليّة أن تُنتج طاقاتٍ تصل إلى مُستوياتٍ عالميّة، وكيف تتحوّل الفرق الأهليّة إلى حاضناتٍ تُحتضن فيها المواهب، وتُبنى من خلالها سرديّاتٌ تحمل هُويّة المُجتمع الّذي تنتمي إليه.
الهُويّة تبني العَلاقة
في العصر الرّقميّ، لم تعُد صِلة الفريق بجمهوره مُرتبطة بمُدرّجات الملعب؛ فقد أصبحت المنصّات الرّقميّة مساحةً تُروى عبرها قصّة الفريق، وتُبنى من خلالها عَلاقته بالمتابعين.
ويكشف مُحتوى فريق الخضراء عبر منصّاته الرّقميّة هذا التّحوّل؛ إذ لا يركّز على نتائج المباريَات، وإنّما يُوثّق إنجازاته، وأنشطته الثّقافيّة والاِجتماعيّة، بما يعكس مكانته داخل المُجتمع.
وبذلك يصبح المُحتوى اِمتدادًا لتجرِبة الفريق؛ إذ يحوّل المُتابع من مُشاهدٍ إلى جزءٍ من رحلة النّادي وذاكرته المُتجدّدة، بما يعزّز اِرتباطه به.
العَلاقة تبني المَكانة
وتتجسّد هذه العَلاقة في التّجارِب الّتي يصنعها الفريق حول الرّياضة؛ فمَرافق النّادي لا تُقرأ بوصفها مُنشآتٍ رياضيّة، وإنّما بوصفها أصولًا مُجتمعيّة تُعزّز اِرتباط الفريق بمُجتمعه.
ولا تقتصر تجارِب الفريق على الجانب الرّياضيّ؛ إذ تمتدّ إلى مُبادراتٍ تُنمّي القُدرات، وتُعزّز المهارات، وتجعله جزءً من منظومةٍ إبداعيّةٍ تُنتج قيمةً مُضافة.
وهكذا تكشف تجرِبة فريق الخضراء كيف تتحوّل عناصر المكان والهُويّة والعَلاقة إلى أصولٍ غير ملموسة؛ فالتّاريخ يمنحه المعنى، والمعنى يمنحه الهُويّة، والهُويّة تبني عَلاقته بالجمهور، والجمهور يعزّز اِستمراريّة حضوره.





























