حصريٌّ لـ«الصحوة» – مع بداية موسم نضج ثمار البوت في المرتفعات العُمانية، تعود هذه الثمار البرية إلى الظهور على جوانب الطرق وفي بعض الأسواق المحلية، حيث يحرص كثير من الأهالي والزوار على اقتنائها بوصفها واحدة من أشهر الثمار الموسمية التي ارتبطت بجبال سلطنة عُمان منذ زمن طويل. لكن خلف هذه الثمرة الصغيرة تختبئ قصة شجرة محلية استطاعت التأقلم مع واحدة من أقسى البيئات الجبلية في المنطقة، وأصبحت اليوم محط اهتمام الباحثين الذين يرون فيها موردًا طبيعيًا قد يحمل مستقبلًا فرصًا زراعية واقتصادية واعدة.
وتُعرف شجرة البوت علميًا باسم Sideroxylon mascatense، وتنتمي إلى الفصيلة السبوتية، وهي من الأشجار البرية دائمة الخضرة التي تنمو طبيعيًا في المناطق الجبلية الجافة وشبه الجافة. ويعود أصل هذه التسمية إلى عام 1844، عندما وصفها عالم النبات السويسري ألفونس دي كاندول لأول مرة تحت الاسم Monotheca mascatensis، اعتمادًا على أولى العينات النباتية التي وصلت من منطقة مسقط في سلطنة عُمان آنذاك. ومن هنا جاءت كلمة mascatense، التي تعني «المنسوب إلى مسقط»، قبل أن تُعيد الدراسات التصنيفية الحديثة عام 1985 نقل النوع إلى جنس Sideroxylon ليصبح اسمه العلمي المعتمد اليوم Sideroxylon mascatense. أما اسم الجنس Sideroxylon فيعني «الخشب الحديدي»، في إشارة إلى صلابة أخشاب الأنواع التي تنتمي إلى هذا الجنس.
وتُعد سلطنة عُمان من أهم مواطن هذه الشجرة في شبه الجزيرة العربية، إذ تتركز أكبر تجمعاتها في جبال الحجر الغربية، ولا سيما الجبل الأخضر وجبل شمس، إضافة إلى تجمعات أخرى في جبال ظفار، مثل جبل سمحان وجبل القمر. وغالبًا ما تنمو على ارتفاعات تتجاوز ألف متر فوق سطح البحر، حيث تستفيد من اعتدال درجات الحرارة والرطوبة والضباب الموسمي، وهو ما يفسر ارتباطها بالمرتفعات بدلًا من السهول الصحراوية المكشوفة.
وتتميز شجرة البوت بكونها شجرة صغيرة أو شجيرة كبيرة دائمة الخضرة، ذات أوراق جلدية سميكة تساعدها على تقليل فقدان الماء، بينما تنتهي بعض أغصانها بأشواك حادة تشكل وسيلة دفاع طبيعية، خصوصًا في البيئات التي تتعرض للرعي المستمر. كما تنتج أزهارًا صغيرة صفراء مائلة إلى اللون الكريمي، تتحول لاحقًا إلى ثمار كروية لحمية تحتوي كل منها على بذرة واحدة.
ويمتد موسم الإزهار عادةً من يناير حتى يوليو، بينما تبدأ الثمار بالنضج تدريجيًا من أبريل، وقد يستمر موسمها حتى سبتمبر، مع اختلاف المواعيد بين المناطق تبعًا للارتفاع والظروف المناخية، وهو ما يجعل فصل الصيف ذروة حضورها وتداولها محليًا.
وتُعد الثمار أكثر أجزاء الشجرة شهرة، إذ تؤكل طازجة بعد اكتمال نضجها، وتتميز بمذاق حلو وقشرة رقيقة، كما اعتاد سكان المناطق الجبلية جمعها منذ أجيال وبيعها موسميًا. وفي سلطنة عُمان يميز الأهالي بين شكلين رئيسيين؛ الأول يُعرف باسم «البوت»، وتتحول ثماره إلى اللون الأسود أو البنفسجي الداكن عند النضج، والثاني يسمى «الهيجمت»، وتميل ثماره إلى الأصفر أو البني الذهبي.
ولم يعد هذا الاختلاف مجرد ملاحظة شعبية مرتبطة بلون الثمار؛ إذ أظهرت دراسات وراثية حديثة وجود تمايز جيني واضح بين الشكلين، واقترح باحثون تصنيف «الهيجمت» بوصفه نويعًا فرعيًا باسم Sideroxylon mascatense subsp. hajarense.
ورغم صغر حجم الثمار، تشير نتائج الدراسات إلى احتوائها على الألياف الغذائية والسكريات الطبيعية ومركبات فينولية وفلافونويدات ومضادات أكسدة. كما سجلت أبحاث مخبرية خصائص مضادة للبكتيريا ومؤشرات إلى تأثيرات مضادة للالتهاب في التجارب المخبرية والحيوانية، إلا أن هذه النتائج لا تزال أولية، ولا توجد حتى الآن تجارب سريرية كافية على البشر تسمح باعتبارها فوائد علاجية مثبتة.
وفي هذا السياق، وصف طبيب الأسرة وصانع المحتوى الصحي الدكتور صالح الهنائي، عبر حسابه الشخصي في منصة «إكس»، البوت بأنه «كنز الصيف في جبال عُمان»، داعيًا زوار الجبل الأخضر وجبل شمس وجبل الكور إلى تذوقه خلال موسمه. وأشار إلى أن ثماره البرية تنمو في الطبيعة، وتتميز باحتوائها على الألياف ومضادات الأكسدة وفيتامين «ج»، إلى جانب مذاقها المميز، مؤكدًا أن موسمها قصير وأنها قد تتوافر في بعض محال الفواكه والخضراوات بالولايات القريبة من الجبال.
ولا تقتصر أهمية البوت على ثمارها، بل تؤدي الشجرة دورًا بيئيًا مهمًا في النظم الجبلية؛ إذ تسهم في تثبيت التربة والحد من انجرافها، كما توفر الغذاء لبعض الكائنات الحية، وتشكل جزءًا من مجتمع نباتي يضم عشرات الأنواع البرية في جبال الحجر.
وتُعد كذلك من النباتات التي تكيفت بصورة لافتة مع البيئات القاسية؛ إذ تستطيع تعديل بعض صفاتها الشكلية بحسب كمية المياه أو شدة الرعي، فتكون أوراقها أصغر وأكثر سمكًا في المواقع الجافة، بينما تزداد أشواكها في الأجزاء المعرضة لرعي الحيوانات، في مثال واضح على مرونة النباتات الجبلية العُمانية.
وفي وقت تتجه فيه دول العالم إلى استثمار النباتات المحلية وتعزيز الأمن الغذائي والمحافظة على التنوع الحيوي، تبدو شجرة البوت واحدة من الكنوز الطبيعية التي تستحق اهتمامًا أكبر في سلطنة عُمان. فإلى جانب قيمتها البيئية والتراثية والغذائية، تشير الدراسات إلى امتلاكها مقومات تؤهلها لتكون محصولًا جبليًا واعدًا، إذا ما حظيت بمزيد من الأبحاث وبرامج الإكثار والاستزراع والحماية. وقد يسهم ذلك في تعزيز حضورها في الأسواق، وفتح آفاق اقتصادية جديدة للمجتمعات الجبلية، وإثراء القطاع الزراعي بمحصول محلي متكيف مع الظروف المناخية العُمانية، لتظل شجرة البوت إرثًا طبيعيًا يستحق المحافظة عليه واستثماره للأجيال القادمة.




























