نورة بنت سيف المالكية
كعادتي في عملي الميداني أستطلع إلى ميدان يثري عقلي بتجارب أخريات أستطيع من خلالهن أن أرى مجتمعي كيف يسير، ومن خلالهن أتعلم ما لم أدرسه في حياتي في مكان آخر، والمخزون هذا يأتيني حصاده من النساء عامةً والأمهات خاصةً، والأمومة – بلا شك- حقل تجارب غني.
بينما أسرد – في محاضرتي -القصص الواقعية وهي الوسيلة الأكثر تأثيرًا على الجمهور، كانت قصة (الفتاة التي طالتها العنصرية بسبب بشرتها السمراء) هي الأكثر لغطًا بين الجمهور فقد سالت دمعة من خدّ أم غلبتها الحسرة بعد أن رأت هذه الفتاة في عيون أبنائها. صمدت طويلاً حتى استطاعت التجرؤ وابتلاع دمعتها وسرد قصتها للجمهور.
حكت عن معاناة أبنائها في عنصرية بعض أفراد المجتمع العائلي والمدرسي وبين الجيران للون بشرتهم. أخبرتنا كيف يعيشون العزلة والانسحاب وكرههم المجتمع الذي يحيطهم بسبب ألفاظهم البذيئة، وتكرار تنمرهم المستمر عليهم، وكيف تحاول جاهدة أن تجنبهم عنصرية المجتمع الظالم وأن تريهم جمال الحياة في الخارج، لكنهم للأسف كلما وطئت أقدامهم الباب كانت الكلمات الجارحة قد دخلت نوافذهم!
ضجت الأمهات المستمعات مستغفرات ومواسيات للأم المكلومة، وكانت شرارات الألم والغضب بادية على عيونهن، وأكثر كلمة كنّ يرددنها (لا تسمحي لأحد أن يقول لأولادك هكذا)، ( لا تقبلي لابنك هذه المعاملة)، ( لا تصمتي..)، وهكذا اخترت أن أتوقف عند هذه المشكلة نديرها بالحوار الهادئ، باحثين عن أسبابها والحلول الموصلة لها، بكلمات مملوءة بالتخفيف والمواساة والتطييب.
تشجعت أخرى أن تذكر قصة ابنها عندما كان عمره 3 سنوات كيف أن أولاد جيرانه يسخرون منه لتأخره في النطق بنبزه بـ “الأخرس”، لم تشأ الأم أن يقاسي ابنها الأمر فأوقفت الأطفال وأمهاتهم عند حدهم بتحذيرهم في محاولة تكرار ذلك، ومن ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يتجرأ ويتعدى على الطفل بكلمة نابية.
أولادنا خط أحمر، حياتنا الخاصة شأننا نحن وكلما حاول أحدهم اختراق الجدار أقمنا جدارنا وهدمنا أسلحته. أسرتنا أولاً، ولا نسمح للآخر أن يكون الأول بخضوعنا له. لن نسمح أن يسجن حياة أولادنا الثمينة كلماتهم الرخيصة. ليس منا الكريم الذي يسمح للئيم بالانقضاض علينا. فأسرتنا خط أحمر، وكلنا (أفراد الأسرة) خط دفاع ونصبح هجومًا إذا ما حاول آخر أن يسلبنا ثقتنا وعزتنا، وأخيرًا، لا تدع التنمر يتفشى بضعفك، ولا تسمح أن تموت حياة فلذات أكبادك بصمتك، فإيقاف التنمر لا يكون بالتنصل من المشكلة بل باقتلاع جذورها.



























