أمل النوفلية
في العقود الأخيرة ظهرت العديد من الجهود البحثية، والمؤتمرات والندوات والمساعي التربوية والاجتماعية والتعليمية التي تنادي بأهمية نشر ثقافة التسامح، وتقبل الآخر، ونبذ الأفكار المتطرفة، وعلى الرغم من فيض هذه الجهود الحكومية والمدنية في مختلف أنحاء العالم، إلا أن النسق الفكري لدى البعض لا يزال مُكبلاً بالعنصرية، ويقتات على الكراهية، ورفض الاختلاف؛ لذلك نشهد بين الحين والآخر الهجمات الإرهابية التي تسحق كل هذه الجهود وتطمسها بالدماء وتدثرها بأرواح الأبرياء.
ومن الأمثلة الصارخة على هذا المشهد الإرهابي الذي يتكرر بين الحين والآخر، هو الهجوم الإرهابي على مسجدين في نيوزيلندا؛ لتسقط أجساد الشهداء وتتناثر دماؤهم الطاهرة في كل مكان، وترتفع أرواحهم النقية لتعرج إلى السماء، إضافة إلى المصابين الذين تعرضوا للترويع والفزع، هذه الأحداث المؤلمة أثارت سجالات فكرية ونقاشات دينية وسياسية واجتماعية عدة، تدعو للتصدي لهذه الأفكار والأفعال المتطرفة، والبحث عن حلول ناجعة لاقتلاع هذا الفكر العنصري المتجذر في المجتمعات العربية والغربية منذ عهود غابرة.
وقد تكون نيوزيلندا نجحت في إدارة الأزمة مؤقتًا من خلال ظهور رئيسة الوزراء وهي تُقدم التعاطف والتضامن مع المسلمين، وترفض الأفكار المتطرفة التي تدعو لإقصاء الآخر، ونبذ العنف والكراهية، واتجهت لتقديم المسلمين من مواطنيها في الصفوف الأولى في مختلف المجالات؛ لمخاطبة المسلمين المغدورين في محاولة لاستعادة الشعور بالأمان، والاستقرار النفسي والديني.
هذه المأساة قادتنا للسؤال الجوهري: متى ستقوم وسائل الإعلام المختلفة باعتناق ثقافة تقبل الآخر ونشرها؟ ومتى ستخرج من الضبابية، وغياب التخطيط في صنع المحتوى، وخلع رداء اللامبالاة، والبدء بالتخطيط والتنفيذ لرسائل إعلامية يومية، تؤكد على نشر التسامح بكل صوره، والابتعاد عن إقصاء الآخر، ودحض التمييز العنصري بكل أشكاله؟ متى سيعي الإعلام أن دوره الحقيقي في التثقيف لا الترفيه، وأن غاياته تتجلى في التغيير للأفضل؟
في كل يوم تمتد يد الإرهاب وتحصد الأرواح في كل بقاع العالم، لتكشف لنا أن التطور والتقدم الذي تشهده البشرية لا يعكس بالضرورة تطور الإنسان وأفكاره، فهل من المجدي تطوير الأشياء والأدوات وترك الأفئدة كما هي، تتصادم بموروثاتها الفكرية وعقائدها الدينية والعرقية لتتلاطم أمواجها في ظلمات بحر لُجي، فتُغرق كل من يُخالفها!



























