نورة بنت سيف المالكية
بينما كنت أحاضر عن ضرورة تحديد الأدوار في الأسرة خاصة للعاملة، تحقيقًا للتماسك الأسري، باغتتني امرأة بشعور الحنق على من يقول لها من قريناتها: “أنت لست موظفة ولديك أولاد وبيت، وقادرة على خدمتهم فلمَ العاملة!” تضيف: “أنهن ينعتنني بالـ (الدلوعة) وأن من الأفضل إنفاق المال على أمور أهم من جلب العاملة…” أجابت فيما كانت توجه أصابع الاتهام على قريناتها الحاضرات بانفعال: “وجود العاملة بالنسبة لي ضروري لأنها تقوم بقضاء مهمات متعددة بدلاً من أرهق نفسي بها، بينما في الوقت نفسه أكون قادرة على رعاية أبنائي وتمضية الوقت مع زوجي والاهتمام به على أن يذهب إلى غيري متعللاً بالإهمال وما شابه…” وتكمل بحماسة الحانق: “ولم لا أظهر نعمة ربي علي؛ فأنا قادرة ماديًّا، وهدفي هو راحتي وراحة أسرتي (وأما بنعمة ربك فحدث)”، كان ردي لها ببساطة: “تفكير ذكي، وهذا شأنك وافعلي ما ترينه مناسبًا لك وليس لأحد أن يتدخل في قرارات غيره”، فذهبت في زهو الفائز وكأنها انتصرت في معركة على خصمها.
لا أعلم لمَ يصر كثير منا أن ينتهج الوصاية على الآخرين؟ أن يتكلم عن أسلوب حياتهم بدلاً من أن يدعهم يتحدثون عنه بأنفسهم؟ أن يعد ذلك من اختصاصه لا من شأن غيره وخصوصياته؟ يشغل نفسه بحياة الآخرين فنسي أن له حياة يجب أن يعيشها، فلا هو عاش حياة طبيعية ولم يترك الناس يتمتعون بحرياتهم التي ما أنزل الله عليها من سلطان!
أستقبل كثير من القصص المؤلمة عن أولئك الذين يصبحون مثل الحجارة في حياتنا ولكن لا سبيل لتخطيهم أو لركلهم خارج حياتنا لأن الاحتكاك اليومي بهم هو ما يجعل المواجهة أمر لا بد منه. لا أدري من أعطى الحق لأولئك أن يقولوا لنا ماذا علينا أن نقول أو أن نفعل؟ وكيف نصبوا أنفسهم حراسا لخصوصياتنا!
يقول الكاتب عبد الكريم بكار: “يقف المجتمع بكل فئاته حارسًا على قيمه وأعرافه، وهو مستعد لإقصاء من يخرج عليها، ونبذه، ولذا فإن من المصادر الأساسية لمقارنة التغيير الخوف من الابتعاد عن القوانين التي يسنها المجتمع. ومن الواضح أن الناس كثيرا ما يتضايقون من بعض العادات والتقاليد ويشعرون بعدم منطقيتها لكن الخوف من العزلة الاجتماعية، هو الذي يجعلهم يمتثلون لها، حتى في الأمور الشخصية التي لا تتعلق بأهداف اجتماعية، ما دامت ممارستها تتم في إطار جماعي”.
إذن يسأل أحدهم كيف أواجه الخوف من ردات فعل المجتمع تجاه خياراتي التي لا تعجبهم؟ أقول له كما قالت ماري كوري: “لا شيء في الحياة يستدعي الخوف، فقط هناك ما يستوجب الفهم. الآن أصبحنا أكثر حاجة للفهم لنصبح أقل خوفًا”… أي أفهم نفسي وأحترم اختياراتي وقراراتي وأسعى جاهدة للحصول عليها، وعلى التساوي أحترم اختيارات الآخرين، فالكاتب الصحفي عادل حمودة نشر في مذكراته (كلمة السر الحرية) عن حياته الشخصية قائلاً: “لقد تزوجت عن حب وتركت لزوجتي إدارة شؤوننا ولم أتدخل في اختيارات بناتي في الدراسة أو العمل أو الزواج، ولم أحاسب أحدًا ممن عملوا معي على سلوكياته الخاصة ما دامت لم تمس غيره، وكان الفيصل في النشر، فلا نحن قضاة نحكم ونحاكم ولا نحن ضباط مباحث نرصد ونراقب، ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”
بالنسبة لي منذ زمن قررت أن أعيش حياة طبيعية لأني تربيت في بيت علمني ذلك بدون تشنج ولله الحمد، ولكن ماذا عنك بعد أن قرأت المقال، كيف ستقرر أن تعيش؟



























