ريّان الزعابية
بين الاختيار والاجبار يقع الأبناء في حيرة من أمرهم، فالأسرة تتمنى أن يصبح ابنها طبيبًا ليناديه المجتمع بـ “دكتورنا” أما الابن فيرى أن قدراته وامكانياته تؤهله لأن يبرز في مجال التصميم مثلاً. حينها تتضارب الأفكار عند الابن، هل يرضي والديه ، أم يشق مشوار حياته العلمية حسب رغباته وميوله الشخصية؟ مع الأسف، هذا المشهد يتكرر كثيرًا في مجتمعاتنا، فهو ليس مشهدًا من نسج الخيال.
إن تدخل الأهل في اختيار التخصصات الجامعية لأبنائهم هي مشكلة لا تخلو المجتمعات منها، فيقع الأبناء في دوامة من الضغط النفسي والتفكير مما يجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارهم النهائي وخصوصًا إذا تعارضت قدرات الأبناء مع ما تفرضه عليهم الأسر. حيث أن الأبناء يعلمون جيدًا ما هي قدراتهم وطاقاتهم وأين تكمن مجالات ابداعهم، ولا أحد غيرهم يمكنه تحديد مستقبلهم العلمي والمهني. ومن هذه النقطة تبدأ الخلافات والحوارات الحادّة بين الأهل والابناء، حيث يعتقد الأبوان أن التخصصات الصعبة هي المعيار التي تجعل الأبناء ناجحين مهنيًا وهذا الاعتقاد يضع الابن أو الابنة في صندوق مغلق مليء بالحِمل والثقل والصعوبات، مما يؤدي إلى التدني الواضح في المستوى التعليمي لديهم.
في الكثير من الأحيان، لا ينجح الوالدين في اختيار التخصصات الذي تتناسب مع قدرات ابنائهم الذهنية والعلمية، فهم حينما يرغمون أبنائهم بدراسة التخصص الذي لا يتناسب مع قدراته ستنعكس النتائج السلبية على مستقبله ككل. فلا شك بأن التخصص الجامعي يرتبط بالوظيفة والمهنة المستقبلية. ولقد شاهدنا نماذج حيّة في المجتمع، عندما يجبر أولياء الأمور أبناؤهم على اختيار تخصص معين فقط من أجل التباهي والتفاخر به أمام المجتمع والناس. يكشف المستشارين الأسريين أن بعض حالات تدخل الأسر في اختيار التخصصات يرجع إلى نقص ثقة الآباء بقدرات أبنائهم. ولأن نظرة المجتمع دائمًا تتجه نحو المسميات والألقاب يرغب الأهل أن ينال ابنهم شرف اللقب الفلاني بدلاً من أخذ الأمور بواقعية تتناسب مع ابداعات أبنائهم وليس بالضغط عليهم. وغالبًا ما يسعى الأهل إلى تحويل مستقبل أبنائهم إلى نسخة من أحلامهم التي لم يحققوها في حياتهم وبالتالي يُحَمَّل الأبناء ما لا طاقة لهم على حمله.
يضطر الابن إلى هدر حياته في تعلم شيء لا يميل إليه، وبذلك تذبل الطاقة الإبداعية والانتاجية لديه بدلاً من توظيفها في مجال يليق بمهاراته وطموحاته. أن إرغام الأبناء هي مشكلة واقعية ولها مخاطر تظهر بعد انتهاء الدراسة حينما تبدأ مرحلة الوظيفة، فيقل انتاج الفرد إلى ما دون المستوى المرغوب. التطور الحالي في مجتمعاتنا يقتصر على التطور في الشكليات والمسميات ولكنا نفتقر إلى التطور في العقلية والتفكير الابداعي.
من الأمور التي تحير الأبناء أكثر هي مسألة بر الوالدين، فيعتبرون أن مخالفة رأي الأهل في هكذا أمر يعد عقوقًا لهما ولكن في الواقع أن الشريعة الإسلامية أعطت الفرد الحرية المطلقة، ولكن بشرط ألا تتعارض مع حرية الغير ولا مع الأسس الشرعية. طاعة الوالدين واجبة، ولكن إن عمل بغير رأيهم في مسألة كهذه لا يعد عقوقًا لأن الطاعة لا تأتي بالإكراه مطلقًا. لأنه من حق الابن أو الابنة اختيار مستقبلهم وخوض التجارب العلمية والحياتية بمفردهم حتى يتعلموا منها. أما الطريقة المثلى لإقناع الوالدين تأتي بالكلمة الطيبة والحوارات الهادئة العقلانية كما حثنا الدين الإسلامي.
وتَدَخل الأهالي مطلوب في حال وجدوا أن الابن ينجر خلف أصحابه في اختيار التخصص بدلاً من اكتشاف ميوله الشخصية.
الحلول المطروحة لحل هذه المشكلة تأتي من عدة نواحي، أولها يجب على الأسرة والمدرسة زرع الثقة في نفوس الطلبة، لأن الثقة تعمل على تدعيم الإحساس بالمسؤولية وتهيئة الخوض في مطبات الحياة دون تردد. ومن جانب آخر، على المدرسة إلقاء محاضرات خاصة للأهالي للزوم توعيتهم على توفير البيئة الهادئة والمناسبة لأبنائهم وتجنب الضغط عليهم في اختيار تخصص المستقبل. فالتوعية والإرشاد من أكثر الأساليب فاعلية في التقليل من هذه الظاهرة.
نصيحتي إلى كل أب و أم:
أولادكم فلذات أكبادكم لا تكسروا مجاديفهم من أول محطة انطلاقتهم في الحياة، فأولى خطوات حياتهم العملية تبدأ في المرحلة الجامعية. كونوا عونًا لهم من خلال توفير ما يساعدهم على اتخاذ القرار الصائب ولا بأس في التدخل بالنصح، ولكن اتركوا لهم القرار النهائي وأطلقوا لهم العنان ليختاروا ما يرغبون بدراسته دون قيود بعيدًا عن أفواه المجتمع ومظاهره الزائفة.


























