نورة المالكية
لطالما رأينا ديدن أمهاتنا وآبائنا في وصل الناس الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم، وخاصة في مناسبة العزاء سواء كان المتوفي رجلاً أو امرأة صغيرًا أو كبيرًا، ونحن نرى اليوم بوعي منا أو بلا وعي كيف أصبح وصالنا للناس مشابهًا لوصال آبائنا مع أولئك الذين نتابعهم ويتابعوننا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد صارت البيوت واحدة واعتدنا على حضور أو غياب بعضنا بعضًا، فهناك التعارف ومشاركة الأفكار والمناشط والقضايا وامتد الأمر إلى اللقاءات والصداقات والزواجات وحضور مناسبات الأفراح والأحزان… وكل ذلك كان عبر هذه المنصة الشاسعة.
حدثتني قريبة تملك مشروعها التجاري على “الإنستغرام” أن زبائنًا لها قدموا لتعزيتها في وفاة قريبها ومن مسافات بعيدة، وقد أكبرت هذا التواصل الإنساني الذي ينم عن انفتاحنا على الناس على اختلافهم مثلما فعل آبائنا من قبل.. ربما تبدو الصورة مختلفة في عملية التواصل هنا وهناك لكن الإنسانية تتلاقى عند هذه العلاقات الاجتماعية، ومن المعلوم أن التواصل يأخذ مجراه الذي يعبر عنه في كل عصر وزمن..
ولو لاحظنا كيف أننا ما زلنا نعيش أفكارنا وقضايانا على مواقع التواصل من مختلف الأقطار وبشكل يومي ولحظي وهذا بدوره يعزز التقارب والألفة مع الأداة ومستخدميها، فنحزن إذا أخذ الموت أحدًا منا ونفرح إذا نجح أو تخرج أو كانت له إنجازات شخصية بغض النظر عن جنسه أو لونه أو منصبه …إلخ، على الرغم من عدم قبول المجتمع لهذا التواصل سابقًا لكن التغيرات فرضت علينا قبوله بل والاستفادة منه.
إنني أتحدث عن الإنسانية المحضة الخالصة من كل شائبة من شوائب التطرف والعنصرية والتعالي، عن أولئك الذين يتصورون مواقع التواصل الاجتماعي كيانًا ممكن أن تتلاقح فيه الأفكار ومتابعة المستجدات والتعليق عليها بما يثمر من آراء لصالح الرأي العالم، وبما يفسح المجال للتلاقي والسلام والتعارف من منظور أخلاقي عالٍ.
عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتجسد لنا مشاهد البيوت الواحدة المتراصة التي لا يفصلها سوى ضغطة زر، مثلها بالضبط ما كان في عصر التلفاز القريب حين كنا نعد الممثل أو الفنان أو المذيع واحدًا من الذين نعرفهم وغيابه عن الشاشة يشعرنا بالحزن فنذهب لتتبع أخباره وكأنه أحد أفراد العائلة.
ربما ستفرز هذه التغيرات مصطلحات جديدة في الاتصال والتواصل، ومفاهيم جديدة تناسب الظروف المتغيرة باستمرار، والدعوة كل الدعوة إلى فهم سنة التغيرات وعدم مصادرتها من أول حدوثها، وكل فكرة جديدة قابلة للتحليل والتفنيد والنقد… وكل يوم وأنتم تتغيرون إلى الأفضل.



























