الصحوة -محمد بن سعيد القري
العام الماضي قدمت المستندات المطلوبة للحصول على إحدى المنح المقدمة من الحكومة الهندية، والحمد لله تم قبول طلبي للتدرب مدة ثلاثة أشهر والتي كانت فرصة أيضا للتعرف على هذا البلد العريق، والذي يعد من أكبر الدول مساحة، ويضم حوالي أكثر من بليون نسمة، ومن المتوقع حسب بعض المؤشرات أن يكون عدد سكان الهند هو الأكبر بعد عقد من الزمن. ومن بين الأشياء التي كانت في الخاطر هو التعرف على حضارة كحضارة الهند وعلى أصداقاء جدد ومن جنسيات مختلفة ـ والتعرف على ثقافات جديدة. وبالفعل عندما وصلت إلى مركز التدريب في “حيدر أباد” حتى تبين لي حجم البرنامج التدريبي والذي استقطب جاليات من ما يقارب 32 دولة من مختلف قارات العالم، ومع طلاب عرب من مختلف الدول العربية.
خلال فترة التدريب، تعرفت على طلاب هنود أتوا إلى المركز التدريبي من أجل إكمال دراستهم العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراة في تخصص اللغة العربية، نعم في اللغة العربية، وكان هؤلاء الهنود يتحينون الفرص للاستفادة بالحوارات مع الجاليات العربية التي تأتي للبرنامج التدريبي الذي ينظم في المركز التدريبي ثلاث مرات في العام الواحد.
أول لقاء لي كان مع طالب هندي اسمه أسلم وكان قد طلب مني المساعدة في اختصار مقالة عن الأديب المصري أحمد أمين وحياته في صفحة ونصف الصفحة من أجل عرضها على زملائه الطلاب، و جدتها فرصة للحصول على معلومات عن هذا الأديب، والأمر اللافت في الموضوع هو طريقة الحديث التي يتحدث بها الطلاب الهنود، فهم يحاولون التحدث بلغة عربية فصيحة بالتدرج اللفظي وبحركات الضم والفتح والكسر وغيرها، ومع أني عربي أتحدث اللغة العربية، إلا أن إمكنياتي ضئيلة جدا تجاه ما يحملونه من معرفة في مجالات النحو والصرف والبلاغة، ولكنها بالنسبة لهم فرصة للحوار والتعرف على مفردات أخرى وربما مرادفات لم يكونوا يعرفون عنها وأيضا من أجل أن يعودوا ألسنتهم للتحدث بالطريقة المثلى لمخارج الحروف ومحاولة معرفة النطق الصحيح لما ينطقونه.
أصبح الوضع كأنك أتيت لتعلم غيرك بلغة لسانك العربي، وبطريقة مختلفة تمام عن الوضع الموجود في بلادنا، حيث تتداخل اللهجات المختلفة في تكسير اللغة أكثر وأكثر مما هي عليه من سوء. ننسى أنفسنا أحيانا حتى نتخيل أنفسنا أننا في مسلسل تاريخي ناطق بلغة عربية وإن كانت في سبيل مساعدة هؤلاء الذين أتوا راكضين من أجل التعرف على لغتنا الجميلة، وكنت كلما حاولت التملص من هذا الوضع أحيانا، بسبب طبيعة التدريب الذي أتيت من أجله، إلا أن الأمر أشبه بالخروج من الفصل الدراسي ليواجهك مباشرة العديد من الراغبين للحصول على معلومة وفرصة التحدث بلغتك. وكان زميلي العماني أكثر مني حماسا لتعريفهم بلغتنا العربية. ولكنني في النهاية تقبلت الأمر برحابة.
سألت أحد الهنود الذي أتى من “كيرلا” إلى “حيدر أباد” لإكمال دراسته في اللغة العربية لمرحلة الماجستير، وسألته، لماذا تقبلون على دراسة اللغة العربية بهذا الشغف؟ قال لي ـ حسب كلامه ـ : أولا: نحن مسلمون ولابد لنا من تعلم هذه اللغة، ثانيا: سوق العمل في دول الخليج العربية يتطلب منا أن نكون ملمين باللغة العربية!! وقال لي: أنه يحلم بأن يذهب إلى إحدى دول الخليج لتعلم اللغة العربية بشكل أفضل، ولكني، ولا أعرف لماذا قلت له ذلك: إن ذهابك إلى هناك ليس شرطا أن يطور من لغتك العربية! فقد تصطدم بواقع مختلف. كما أن سوق العمل حتى في المؤسسات الحكومية أصبح لا يعتمد كثيرا على اللغة العربية، ولكنني ندمت على ما قلته، ثم قلت له: ولكننا مطمئنون بأن أمثالك قد يحيونها مرة أخرى!




























