الصحوة- الدكتور سالم الشكيلي
يبدو أنه قد كُتب على اليمن أن يعيش في دوامة من الحرب والاقتتال والتفرق والتشرذم، وتدخّل الخارج نتيجة عدم وحدة اليمنيين واجتماع كلمتهم على يمن مُوحّد يتناسب مع حضارته وتاريخه الذي يشهد بأنّ أصل العرب من هذه الأرض الطيبة المباركة التي كانت أيضًا موئلاً للأنبياء ومهدًا لرسالات السماء، اليمن اليوم تسلط عليه من يهوون الحروب من العرب وغير العرب، ويتلذّذون بقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، ماتت الضمائر لدى سماسرة الحروب ورعاتها، انعدمت الشفقة والإنسانية وهم يشاهدون طفلاً يلوذ بصخرة أو بقايا حطام منزل أو بناية، لم تلن قلوبهم لرضيعٍ يُنتشل من بين الركام، بل كانوا فظاظًا غليضي القلوب، قست قلوبهم كالحجارة بل هي أشد قسوة .
تغيرت الديموغرافيا السكانيّة في اليمن فمنهم من قضى نحبه ومنهم من تم تهجيره أو تشريده ومنهم من يتضور جوعًا بسبب الحرب اللعينة وشح المواد الغذائية، حتى التحالفات الحزبية والقبليّة تبدّلت إما بالترغيب أو التهديد، اليمن كان سعيدًا حقًا بأمّته وحضارته وأمنه واستقراره، لكنّ اليمن اليوم وياللأسف أضحى تعيسًا يأتيه الخطر من جميع الاتجاهات بسبب الحرب المفروضة عليه من الداخل والخارج، وبسببها أصبح الداخل إلى اليمن مفقودًا والخارج منها مولودًا، لك الله يا يمن.
وفيما يتعلق بالجغرافيا فالأرض اليمنيّة ممزّقة إلى كيانات أو مربعات عدة، صنعاء في قبضة جماعة أنصار الله – الحوثيون – وعدن في قبضة المجلس الانتقالي، وباقي الأراضي اليمنيّة إما تحت سيطرة الشرعية السياسيّة أو تحت قبضة بعض القبائل اليمنيّة، وكل طرف من هذه الأطراف مدعوم من جهة خارجيّة سواءً بالمال أو بالسلاح أو بالقتال.
خمس سنوات مرّت على الحرب والمسألة كرّ وفرّ لا غالب ولا مغلوب، تقدّم هنا وتقهقر هنا ، واللافت للأمر أنّ دول التحالف العربي لم تستمع إلى نصيحة الكثيرين قبل وأثناء الحرب، بأنّ الحرب في اليمن ستكون مستنقع ومغامرة محفوفة بالمخاطر لأسباب عدّة منها التضاريس، فالمنطقة عبارة عن جبالٍ وكهوفٍ وأراضٍ وعرة، ثمّ إنّ طبيعة الشعب اليمني شعب جلد صبور لا يرضى الهزيمة، حتى الأشقاء المصريين رفضوا منذ البداية لأنهم خبروا صعوبة القتال في اليمن، فهم الذين شاركوا في الحرب الدائرة هناك في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتكبد الجيش المصري خسائر بشريّة وماديّة ، وهذا ما دفع البعض للقول بأن المشاركة في الحرب آنذاك مثّل خطأ استراتيجيًا، يضاف إلى هذه المعطيات الأطراف الأخرى الداعمة للحوثيين ومن بينها إيران وحزب الله اللبناني.
ربما ظنّت دول التحالف العربي بما تملكه من قوة عسكريّة فائضة في الطائرات والصواريخ والقنابل والمعدات القتالية الأخرى بأنّ حربهم في اليمن لن تستغرق سوى بضعة أيام، وهذا نوع من الغرور والصلف والتكبّر، فالحروب لا تقوم فقط على العتاد والمعدات العسكرية، بل تقوم إلى جانب ذلك على القوة البشريّة والعقيدة العسكريّة والخبرة القتاليّة، فكان رهان التحالف خاسرًا.
والغريب في الأمر حقًا أنّ التحالف العربي عندما وجد نفسه أمام هذا الوضع المأزوم والنفق المظلم، بات يلقي فشله على الأخرين ومن بينهم سلطنة عمان؛ فتارة يتهمونها بدعم الحوثيين والانصياع للقرار الإيراني، وتارة اتهامها بتهريب الأسلحة للحوثيين عبر المراكز البريّة، وسلطنة عمان بريئة من هذا كله كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، عمان موقفها معلن وصريح وهو الحياد الإيجابي الذي يعمل على إنهاء الحرب وجلوس كل الأطراف المعنية بالصراع اليمني علي طاولة الحوار، أما الحرب فلن تدخلها لأنها تدعو للسلام والوئام ، ومن مبادئها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
ثم ماذا بعد وإلى أين يتجه المشهد السياسي؟ من حق اليمنيين والشعوب المحبة للسلام أن تسأل هذا السؤال، تريدون تقسيم اليمن إلى يمنين شمالي وجنوبي؟ تريدون السيطرة على الموانئ والمواقع الإستراتيجية اليمنية؟ أم أنّ طموحاتكم أبعد من ذلك؟ العاقل والناصح الأمين سيقول لكم لن تفلحوا في شيء، والشعب اليمني لن يستكين ولو بعد حين، خذوا قرار السلم والحوار الآن قبل تدهور الوضع أكثر وعندئذٍ تتعقد الأزمة اليمنية وتتمدد الحرب لا قدر الله، قرار السلم والحوار ليس هزيمة بل قمة الشجاعة فاغتنموا الفرصة وحققوا الأمن والأمان في المنطقة، والله يحمي الجميع من شرور الحروب.



























