الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
ذات مرة ذهبت لزيارة أحد الأصدقاء فلفت انتباهي أن ابنه الشاب كان صامتا طوال الوقت على غير عادته. إجاباته قصيرة و مقتضبة ، أحسست بشعور غريب رغم محاولة صديقي أشغالي بالحوار ، و كأن وجود الأبن الصامت أضاف جو من الكأبه دون أن أعرف تفسيرا لذلك ، وقبل أن أغادر أخبرني الصديق بأن ابنه يمر بحالة أكتئاب بسبب بعض الظروف التي يمر بها.
هذا الأمر جعلني اتسأئل هل يمكن أن تنتقل إلينا مشاعر الآخرين كما تنتقل الأمرض المعدية؟
أذكر أنني قرأت في إحدى كتب الطب النفسي أن بعض مشاعر المرضى يمكن أن تنتقل إلى الطبيب ، فمريض الهوس الاكتئابي مثلا يمكن أن ينقل إليك مشاعر الفرح عندما يكون في حالة الهوس فتضحك للنكات التي يلقيها ، وتشعر بمزاج جيد عندما تتحدث إليه ، رغم أن هذا الشعور عادة ما يزول مع خروج المريض من العيادة ، لكن بعض الأطباء قد يكون غير قادر على التخلص من هذه العدوى بسهولة فيحمل هموم المرضى معه إلى أن يتعلم كيف يتعامل مع هذه المشاعر و يحافظ على صحته النفسية والعقلية .
علماً بأن عدوى المشاعر لا تقتصر على العاملين في مجال الصحة النفسية بل تشمل الجميع ، هل لاحظت كيف أن زميلك الذي يكثر من التذمر ينقل إليك مشاعر سلبية يجعلك مع مرور الوقت من المتذمرين؟ وكيف أن الشخص المرح يجذب إليه الآخرين بحديثه الممتع وروحه المرحه. الجدير بالذكر أن عدوى المشاعر لا تقتصر على اللقاء وجها لوجه بين الأفراد بل تشمل التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، ففي عام 2015 أجرى موقع الفيسبوك تجربة لقياس مدى انتقال المشاعر بين مستخدميه عن طريق التحكم في مستوى ما ينشر واختيار منشورات إيجابية لبعض المستخدمين ومنشورات أخرى سلبية لآخرين، أظهرت النتيجه أن المستخدمين المتعرضين للمحتوى الإيجابي صاروا أكثر إيجابية على الموقع وقاموا بنشر مقالات ايجابيه بينما المعترضين للمحتوى السلبي قاموا بنشر مواضيع سلبية .
وتشير الدراسات النفسية أن المشاعر السلبية أسرع وأقوى في الانتشار من الإيجابية، لذا يجب عليك اتباع الخطوات لتحصين نفسك من المشاعر السلبية للآخرين :
1- عندما تتفاجئ بمشاعر غريبة تنتابك دون سبب واضح ، حاول إسترجاع الأحداث التي جرت قبل هذه المشاعر، ربما تكون قد قابلت شخصًا ما أو تواصلت معه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ؟ أو ربما استمعت إلى خبر ما في التلفاز أو المذياع ؟فربما أصابتك العدوى في تلك الأثناء.
2- تعلم كيف تنتقي ما تقرأ أو مع من تتواصل ، وكيف تميز بين مشاعرك أنت وتلك التي انتقلت إليك من الآخرين ،تعلم كيف تتخلص من كل المشاعر الدخيلة وطردها بسهولة.
3- احترس من قضاء وقت طويل مع الأشخاص الغاضبين أو المكتئبين لأنك قد تكون معرض أن تصبح مثلهم، لذا أحذر في هذه الحالة. هذا لا يعني أن تتجاهل معارفك وأصدقائك ، بل أن تنتبه لاحتمال إصابتك بتلك المشاعر ، حاول أن تغير الحوار السلبي إلى موضوع أكثر مرحا فذلك أفضل.
4- إحرص على متابعة الأشخاص الإيجابيين ، فلو انتقلت عدوى الإيجابية منه إليك فهذا هو المطلوب، و تجنب متابعة الأشخاص الذين لايكفون عن التذمر على كل صغيرة و كبيرة ، هذا لا يعني أن تعيش في عالم من الأحلام الوردية بل أن تكون واقعيا بعيدا عن هموم الآخرين التي ليس لك سبيل إلى تغييرها.
مع تمنياتي للجميع بالصحة والسعادة


























