الصحوة – محمد بن سعيد القري
جيل ” الطيبين” كما يسميه البعض هو جيل البساطة في الحياة، جيلنا نحن الذين عايشنا فيه الانتقالات التي مرت منذ ظهور التلفزيون ذو القناة الواحدة التي تنقل القناة العمانية لساعات محدودة فقط، والذي يعمل ببطارية كهرباء السيارة إلى حين. ثم انتقل إلى زيادة ساعات البث، واستخدام “الأريل” لامتصاص قنوات أخرى من دول مجاورة، وظهور أول “دش” بصحن كبير، كنا نشاهده من مسافة بعيدة، وكأنه مركبة فضاء يحلق فوق سقف أحد الجيران، آخذا بالتقلص، وزيادة عدد القنوات الفضائية وبجودة أكبر، وأنظمة تجعل المشاهدة أمتع.
ذلك الجيل الذي كان الفضاء مرحب به، وكأن الأرض الرحبة ملك للجميع، وكان للأطفال خاصة وقع خاص بطاقتهم الجسدية، فتراهم يتراكضون هنا وهناك، لا يهمهم لبسوا أحذية أو لم يلبسوا، أو أتسخت ثيابهم البيضاء أثناء لعبهم، وخروجهم مع الأطفال الآخرين ليستمتعوا بلعب كرة القدم في المزراع القريبة، ولعب الـ (كيرم) و (الإينو) و (القبة) وألعاب أخرى يخترعها أصحاب الخيال الواسع. حتى جاءت الـ (أتاري) ليبدأ مشوار جديد من اللعب أمام شاشة التلفزيون فتجد الأطفال يجتمعون أمام الشاشة لتكون المنافسة في من يستطيع تجاوز مراحل أكبر. ثم جهاز الـ (فاملي)، وصولا إلى ألعاب الكمبيوتر، حتى أصبح الكثير الآن يجلسون أمام شاشات التلفزيون للعب الـ (بلايستيشن) لساعات طويلة.
أول هاتف أرضي كان بمثابة نقلة نوعية للأسرة التي تمتلكه، لأنه كان وسيلة للتواصل مع الآخرين من أماكن بعيدة، أن تسمع صوت أقربائك، وصوت الأب المغترب لهو بالفعل نعمة من نعم الله التي منها الله علينا. ولم يكن طلب الجيران لاستخدام الهاتف أوقات الضرورة مدعاة للامتعاض، على العكس من ذلك، كانت الأسر تستعين ببعضها وكأن البيوت والقلوب مفتوحة للجميع. تطور الوضع بعد ذلك إلى استخدام (البيجر) أو (البليب)، وسرعان ما عرف العالم الهاتف النقال الذي كان عبارة عن أداة للاتصال المباشر، ثم تطور الوضع إلى إرسال الرسائل النصية، وظهر الهاتف الملون، وسرعان ما جاء الهاتف الذكي الذي نقلنا إلى تفاعل أكبر وبرامج كثيرة تجعل الكبار والصغار منجذبين إليها بشكل كبير. وأصبح العالم يمشي منكس الرأس بسبب انشغالهم بالشاشات وما تحمله من أنظمة وبرامج جديدة كل يوم.
إن ما نسمعه اليوم من استشراف للمستقبل يجعلنا أمام عالم إلكتروني يبعدنا بشكل كبير عن العالم الحقيقي (خارج إطار الشاشة)، فقريبا سيكون استخدام النظارات ثلاثية الأبعاد عامل مساعد للعيش في عالم إلكتروني افتراضي، ما عليك سوى أن تلبس نظارتك وتنتقل إلى السوق الافتراضي لتبتاع ما تشاء وتصلك الأغراض إلى مقر بيتك دون أي عناء، أو أن تأخذ أطفالك في جولة إلكترونية افتراضية لإحدى المدن الترفيهية بكل ما فيها دون أن تسافر أو حتى تتحرك! وليس غريبا أن نجد مقطعا قصيرا ـ وإن كان الهدف منها إضحاك المشاهد ـ يمثل طفلة قاعدة على مقعد متحرك يهزه الأب ليمثل للطفلة بأنها تركب قطار الموت أمام شاشة تلفزيون كبيرة!
إن نتائج الاستطلاع الأخير الذي أصدره المركز الوطني للإحصاء والمعلومات يجعلنا أمام نتائج مخيفة من سلوكيات قد تؤثر على الأجيال القادمة اجتماعية منها وصحية، عندما نعلم بأن ” 35 بالمئة من أفراد الأسرة العمانية يمارسون الألعاب الإلكترونية، وأن العمانيين يقضون (18 سنة فأكثر) متوسط 87 دقيقة يوميًا في ممارسة الألعاب الإلكترونية، ويرتفع الوقت إلى 94 دقيقة يوميا للذكور مقابل 71 دقيقة للإناث، كما ينخفض الوقت بشكل ملحوظ مع ارتفاع مستوى التعليم”.
الملاحظ أيضا أن عددا من الآباء والأمهات يفضلون الحل المريح، والمتمثل في إعطاء الطفل ـ وإن كان في سن صغيرة جدا ـ هواتف نقالة وألواح ذكية من أجل تقليل حركتهم، أو السيطرة عليهم أثناء إطعامهم. وأصبح الهم الأكبر لدى الأطفال أن يلعبوا ألعابا تصل بهم إلى الإدمان والانشغال بشكل كبير عن ما يدور حولهم.
إن الثورة التكنلوجية والمعلوماتية التي وصلت إلى آفاق واسعة النطاق، جعلتنا ونحن نعيش في هذا العصر نشهد تسارعا في تغيير سلوكياتنا وسلوكيات أبنائنا، والذين ينتظرهم مستقبل مليئ بالمفاجآت والكثير من التحديات، بل قد يكون أيذانا بأفول الكثير من أنماط وسلوكيات الحياة الجميلة التي دأبنا على ممارستها إلى وقت قريب. فهل سيتحول الوقت كله والفضاء الرحب، والناس، والأصدقاء، والأرض، والحياة، والتواصل، والاستمتاع بالمناظر الخلابة، والأحاسيس وغيرها مجرد ألعاب إلكترونية؟!




























