الصحوة – أحمد بن إبراهيم النقبي
تأتي المحن وهي ليست مرتجاة ولا منتظره ولها الكثير من الضرر والضرار ولكن يمكن أن نستخلص منها الدروس والفوائد حيث أن من خلالها تتكشف أمور يمكن أن نكون أغفلناها أو أجلناها ولم نجتهد الإجتهاد الأمثل لتحقيقها فتدفعنا هذه المحن بأن نلتفت لها ونوليها أقصى إهتماماتنا ووضعها في مقدمة أولوياتنا.
أتت جائحة كورونا وأصابت العالم بالذهول وتقلصت معها جل مظاهر الحياة البشرية وآلتها الصناعية ومرافقها الحيوية والإقتصادية بل أن الكثير من الدول رغم امكاناتها الهائلة بدت عاجزة أمامها، تستجدي المساعدة من دولاً أقل منها في الإمكانيات والموارد.
هنا سأتطرق إلى بعض أهم ما كشفته لنا هذه الجائحة ولكي لا أطيل سأوجزها في هذه المحاور القليلة والتي تخص وطننا الحبيب عمان:
المجال الصحي:
برهنت هذه الجائحة على أن القطاع الصحي قطاع هام وحيوي وبأننا في عمان والحمدلله نرتكز على نظام جيد بل يعد ممتازاً إذا ما قورن بدول عديدة أفضل منا اقتصاديا وذات إمكانات هائلة إلا أنها وقعت في فخ المتاجرة بهذا القطاع الحيوي وهذا دأب الرأسمالية البحتة والذي كان البعض منا من القائمين على القطاع الصحي والإقتصادي يسارعون الخطى ويسعون نحو السير في نفس المنزلق، نشكر الله بأن هذه الجائحة قد تكون سبباً في التراجع عن ذلك النهج وإعادة النظر فيه بل صرفها عنه.
حيث أننا أدركنا حجم الأنانية والجشع في هذا العالم نتيجة للشح في وجود بعض المستلزمات الطبية والتي أدت لقرصنة وتحويل لمسارات بعض الشحنات عن وجهتها والمزايدة والإلتفاف بطرق غير أخلاقية في أحيانا كثيرة للظفر بكميات قد تم الإتفاق على شرائها وثبت لنا بأن الإعتماد على الذات هو سبيل للنجاة في مثل هذه الظروف مما دفعنا للإلتفات إلى إمكانياتنا الذاتية وعقول وسواعد أبناء هذا الوطن للعمل على تصنيع وابتكار ما يمكننا من التقليل على الإعتماد على الغير في توفير هذه المستلزمات الضرورية.
هذه القدرات التي كشفت عنها هذه الجائحة أثبتت للمشككين في قدرات شبابنا وعقول أبنائنا بأنهم قادرين على الإبتكار والتصنيع إذا ما توافرت لهم المساعدة والدعم والتشجيع وأعطوا الفرصة لإبراز الطاقات والإمكانيات مما يجعلنا أن نمضي لأفضل من ذلك في تعزيز الإبتكار والتصنيع كما بينه جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله في خطابه الأول وحث عليه.
*اللوجستيات والتصدير والإستيراد*
مما أثلج صدورنا ما رأيناه من حركة دؤوبة من أسياد لتفعيل هذا القطاع الهام والشريان التجاري ومخرهم عباب البحر وتشغيلهم للموانئ وزيادة خطوط النقل على نحو غير مسبوق في تعزيز الإستيراد المباشر من بلد المنشأ. هذا المشهد أعاد لأذهاننا الصورة المشرفة التي خبرها العالم ورسمها عن أجدادنا سادة البحر وربابنته العظام ورأينا التطبيق والتفعيل للموقع الإستراتيجي الذي حبا الله به عُمان، والذي لم يستثمر الإستثمار الأمثل ليسهم بشكل أكبر في نمو وازدهار عُمان كسابق عصرها والذي
لطالما درسناه في مناهجنا الدراسية وقرأناه في الكتب وظل حبيساً لتلك الكتب إلا في ما ندر.
يبقى هذا الجهد محمود وفي الطريق الصحيح إلا أنه ليس علينا أن نكتفي بالذهاب لأقاصي العالم والموانيء وحاوياتنا فارغة والعودة بها محملة للوطن بشتى السلع الإستهلاكية فحسب بل بات لزاماً علينا العمل والتفكير بأن نملأ تلك الحاويات بشتى المنتجات ذهاباً وعودةً لنتبادل مع العالم تصديراً يوازي إن لم يفوق استيراداً وليتحقق ذلك علينا أن نعيد النظر في استثمار مواردنا وإمكانياتنا وللقيام بالصناعات التحويلية في شتى القطاعات (النفط والغاز،التعدين، والمحاجر، الزراعة، الأسماك…الخ) والعمل على تصدير المنتجات بدلاً من المواد الخام.
*الأمن الغذائي*
عمان ولله الحمد أرض طيبة معطاءة براً وبحراً فقطاع الزراعة والثروة السمكيه قطاع واعد إذا ما تمت الإستفادة منه بالطريقة المناسبة وهو قطاع هام وفاعل ويعد طوق النجاة في الأوضاع والظروف التي نعيشها في ظل هذه الجائحة ومثيلاتها. اذاً من الواجب أن نشمر عن سواعدنا ونشجع ابنائنا ونمنحهم الدعم والتحفيز وتخصيص الأراضي المناسبة للزراعة وخدمات الإرشاد والبحوث والتطوير وكذلك الصيد والإستزراع السمكي مع توفير المنصة المناسبة التي تتولى الشراء والتسويق والبيع لهذه المنتجات وتصنيف وفرز ما هو صالح للسوق المحلي وما يخصص للتصدير وللتعليب وكذلك انشاء المصانع المرتبطة بهذا القطاع من تجميد وتعليب وكذلك صنع الأسمدة بحيث لا يبقى شي غير مستفاد منه.
الفرص التي يمكن أن نخرج بها من هذه الجائحة ليست محصوره بما اوردت بل هناك الكثير من الفرص التي ربما تطرق إليها الكثير غيري من الكتاب والمختصين إلا أنني أرى بأن هذه المحاور ذات أهمية كبيرة وكذلك امكانية ترجمتها كواقع في القريب ميسّر إذا وجدت الإرادة والتخطيط السليم للخروج بإستفادة من هذه الجائحة التي نسأل الله أن يرفعها عنا وعن سائر شعوب العالم إنه سميع مجيب.





























