الصحوة – د.حمد بن ناصر السناوي
تواصلتُ مؤخرًا مع أحد الاصدقاء وهو طبيب يعمل في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات التعليمية في العاصمة البريطانية لندن لأطمئن عليه خاصة مع انتشار فيروس الكورونا و ما تناقلته الأخبار عن زيادة الحالات التي احتاجت الرعاية الصحية هناك، أجاب صديقي أنه بخير ولله الحمد، بعدها بدأ في رسم صورة لما يحدث في المستشفى، حيث يعمل ضمن فريق متكامل لفحص وتقييم مرضى الكورونا، وتقديم الرعاية لهم، مثل أخذ العينات للفحص المخبري و تركيب أنبوب التنفس الصناعي، وأخبرني أيضًا كيف أصبح يشعر بالقلق على احتمال أن ينقل الفيروس معه إلى المنزل فيصيب زوجته وأطفاله الصغار، رغم إتباعه للتعليمات الصحية من غسلِ اليدين ولبس الكمامات الطبية عند معاينة المرضى بشكل عام وارتداء اللباس الخاص.
لم يكن القلق الشعور الوحيد السائد، فمع مرور الوقت وزيادة عدد الوفيات أصبح الإحباط يعرف طريقه إلى بقية أعضاء الطاقم الطبي، أخبرني أنه أحيانا يبقى في المستشفى لوقت أطول لتعويض النقص في عدد الأطباء بسبب إصابة بعض زملائه بالعدوى وخضوعهم للحجر الصحي، ومع تزايد عدد الحالات قرر أن يعزل نفسه في بيته بعد ساعات العمل كي لا ينقل الفيروسات إلى أسرته إلا أنه مع الوقت بدأ يشعر بالوحدة وهي يسمع بكاء طفله الرضيع ولا يستطيع حمله.
تشير الدراسات البحثية إلى أن أفراد الطاقم الصحي من أطباء وممرضين وفنيين أكثر عرضة للضغوطات النفسية خلال الأزمات والتي قد تسبب لهم أعراض نفسية خطيرة قد تمتد آثارها حتى بعد انتهاء الأزمة، وتتضمن العوامل التي تزيد من احتمال الإصابة بهذه الاضطرابات وجود مرض نفسي سابق والتعرض للضغط النفسي الشديد و القيام بمهمات صعبة تفوق المسؤوليات المعتادة، فمع زيادة عدد مرضى الكورونا اضطرت بعض المستشفيات إلى الاستعانة بممرضات وأطباء للعمل في أقسام العناية المركزة دون أن يكون لدى البعض منهم خبرة كافيه في ذلك المجال، كما وجد الأطباء المتدربين في بعض المستشفيات أنفسهم يعملون دون إشراف مباشر من الاستشاريين مما يؤدي إلى إصابتهم بالتوتر من احتمال حدوث أخطاء طبية، أو حدوث توتر في العلاقات بين الزملاء بسبب ساعات العمل الطويلة.
وفي بعض الأحيان يشعر الأطباء بالذنب بسبب عدم قدرتهم على إنقاذ المرضى رغم الجهود التي بذلوها، وتشير الدراسات أن حوالي ٣٠٪ من الأطباء يشعرون بالحزن والفقدان بعد وفاة أحد المرضى، بينما يعبر ٧٦٪ من الممرضين و٥٧٪ من الأطباء عن حزنهم لوفاة مريض بالبكاء، وفي بعض الأحيان يصاحب هذا الحزن الشعور بالأسى وفقدان الثقة بالنفس وأحيانا الغضب بسبب نقص الأجهزة اللازمة لرعاية المرضى.
الغريب أنه رغم الجهود التي يبذلها أفراد الطاقم الصحي إلا أن بعض التقارير أشارت بأنهم تعرضوا للتمييز من قبل بعض أفراد المجتمع لأنهم ينقلون العدوى من المستشفيات إلى الأماكن الأخرى، مما يزيد من إحساسهم بالوحدة، وقد قامت بعض الدول بتخصيص خدمات الدعم النفسي للعاملين في القطاع الصحي وتوفير المستلزمات اللازمة لهم قدر الإمكان، وتخصيص وقت كاف من الراحة وبرامج تدريبية متخصصة لتنمية مهارات التعامل مع الأزمات.





























