الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
كتاب “عقل غير هادئ” من تأليف الدكتورة كاي ردفيلد جاميسون أستاذة علم النفس بجامعة جونزهوبكنز الأمريكية، تحكي فيه قصة إصابتها بمرض ثنائي القطب والأعراض التي غيرت حياتها ورحلتها في تقبل التشخيص والعلاج ومشاعر الإحراج التي كانت تعيشها كلما ذهبت لعيادة الطبيب النفسي خوفا من وصمة العار المرتبطة بالمرض النفسي، كما ذكرت تجربتها في تناول الأدوية التي ساعدتها على الاستقرار النفسي والتفوق في عملها.
تقول الكاتبة: ” عندما أكون مكتئبة لا أشعر بالحياة ولا أستطيع أن أنتج شيئاً، أما عندما أكون في حالة هوس فأستطيع كتابة بحثا كاملا في يوم واحد، أشعر أن لدي طاقة غريبة وتتراكض الأفكار والمشاريع في عقلي حتى أشعر أنني فوق السحاب”.
مرض ثنائي القطب من الأمراض النفسية الشائعة ويعاني منه حوالي ٥٠ مليون شخص من مختلف دول العالم ويعتبر في المرتبة الثامنة من الأمراض المسببة للإعاقة، حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية، وتختلف حدّة الأعراض من فرد إلى آخر، فبعض المرضى يستطيعون ممارسة حياتهم الطبيعية إلى حدٍ ما، خاصة إذا تم التشخيص والعلاج في المراحل المبكرة من المرض، بينما البعض الآخر يعاني من نوبات متكررة من الاكتئاب، تليها نوبات الهوس مما يحدث تغيرات جذرية في حياته، فلا يتمكن من تحقيق طموحاته ويقضي معظم عمره في أجنحه الطب النفسي.
خلال فترة عملي كطبيب نفسي قابلت العديد من مرضى ثنائي القطب من مختلف الأعمار، البعض أكمل دراسته ويحمل شهادات عليا، والآخر كاتب أو شاعر يُثري المكتبات بنتاجه الأدبي، معظم هؤلاء حصلوا على الدعم النفسي من عائلاتهم الذين تعودوا على التكيف مع تقلبات المزاج الشديدة التي يمرون بها.
حالة المريض المصاب بمرض ثنائي القطب تتذبذب بين نوبات الاكتئاب وما يصاحبها من حزن وبكاء وخمول ويأس وأرق تتبعها نوبات الهوس والتي تتميز بزيادة النشاط، والثرثرة والاسراف في شراء أغراض لا يحتاجها المريض، وأوهام العظمة التي تشعر المريض بأنه يمتلك قدرات خاصة. هذا التقلب في المزاج يرهق المريض كثيرا ويحرج من حوله.
أحيانا يفتقد المريض بعض أعراض الهوس مثل الشعور بالفرح والثقة بالنفس وزيادة النشاط، خاصة عندما تكون هذه الأعراض خفيفة ولا تؤثر على إنتاجية، أما حالة الاكتئاب فعادة ما تكون شديدة وأحيانا قد يصل بالمريض إلى التفكير بالانتحار ليتخلص من الألم النفسي.
أحد المريضات قامت بتأليف رواية خيالية من ثلاثة مجلدات، سهرت ليالي لإنجازها وهي في قمة نوبة الهوس، لكن للأسف خرجت بالكثير من الأفكار غير مترابطة، بينما قام مريض آخر بتوزيع هدايا غالية الثمن على أصدقائه وزملائه بدون مناسبة.
تقول الدكتورة ردفيلد جاميسون انها ترددت كثيرا في إصدار الكتاب خوفا من الإفصاح عن تجربتها التي قد يكون لها تأثير على حياتها الشخصية وذلك بسبب وصمة العار.
ترى هل يتقبل المجتمع العربي مثل هذه السيرة الذاتية من شخص متخصص في علاج مرض هو نفسه يعاني منه؟ أم سيقال “طبيب يطب الناس وهو عليل”؟
دمتم بخير وصحة وسلامة



























