نعلق بمشجب الانتظار رزم الأمنيات، نعانق بالطموح أبواب السماوات، وعلى حين غِرَّة نخلع رداء السعادة؛لننتعل الانكسارات،وتصبح مائدتنا عامرة بحزن أمطرته حوادث المرور التي أسدلت عتمتها وأطفأت النور.
ادنوا بهدوء لنتأمل بسكينة قوله تعالى:”وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ “.
هكذا كانت وسائل المواصلات في حقبة من الزمن. وفجأة فاضت أنعم الله كالغيث،إذ اختتمت الآية السابقة بقوله:” وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.
فاخترعت السيارات، وتنوعت وسائل المواصلات،وأصبحت الطرق معبدة، فتقاربت الأمصار، وراح الناس يجوبون مشارق الأرض ومغاربها،حتى أصبحنا في نعمة لا تكال بميزان.
فهل أدرك قائدوا المركبات قيمة ما أسبغ الله عليهم من نعم؟
تالله ما أدركوها، فاتخذوا الطرق ميدانا للسباق، وامتلكوا رخصة القيادة فمضوا فَرحين بما أُوتوا،غافلين عن أمانة عظيمة حملوها،فانطلقوا كانطلاقة رصاصة تدمي أرواح البشر،وتخلف الكوارث، فأوَّاه من نار الحوادث.
أيها العابرون فوق شظايا حروفي، أيرضيكم ما يحدث على شوارعنا؟ حتى نطقت خطوط سيرنا قائلة:رحماكم ما عاد ظهري يحتمل الأشلاء، ودماء الأبرياء،فما ذنب الأطفال والنساء؟ وتعالت الصرخات بين جنبات المستشفيات؛لتحكي قصصا مأساوية تُدمي القلوب،وتُبكي العيون..
أسدلت المستشفيات ستار الحزن ولو نطقت لقالت:لطفا بي، فحالُ جليس الفِراش أعياني،ونحيب الفاقد للفقيد أبكاني بل هز أركاني. ولكن هل من مدكر؟وتواصل المأساة مسيرها وكأن قائد المركبة يقول:أيتها القوانيين اندثري مع الرياح،ولتذهبي أيتها الأنظمة مع البحر؛ليرمكِ في أي شطٍ أراد.
يا قارئ سطوري مهلًا، إن النفس أمانة عظيمة، أمرنا الدين بحفظها من المهالك،فقال سبحانه:”وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”.أي لا تكن سببا في هلاك نفسك،واعلم أن يد الرفق تجني ثمرة السلامة،ويد العجلة تغرس شجرة الندامة.
والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال:” مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا،وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فقتل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا،وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا”.فمن مات بسبب تهوره فهو منتحر، والمنتحر إلى النار كما بينه الحديث الشريف. استوقفتني هنا فتوى سماحة الشيخ أحمد الخليلي عندما قال:”إن المنطلق بسرعة فائقة دون حد هو قاتل قتل عمد،وناحر منتحر، عليه إثم قتله لنفسه،وإثم قتله للآخرين”. والله تعالى يقول:”وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ”،فمن أسرع بسيارته سرعة تخرج به عن حدود الاعتدال؛عليه وزر ما جنى، فليتحمل ما سيحدث بسببه.
لنعد البصر كرتين في دراسة مؤسسة الأبحاث العلمية (SRF) إذ أوضحت أن تخفيض السرعة بمعدل 10كم/ساعة يقلل من احتمال وقوع الحوادث حوالي 20% وعدد الإصابات 30% وعدد الوفيات إلى 40% إذا التزم جميع السائقين حدود السرعة القانونية داخل المدن،أي حسب القواعد العالمية 50كم/ساعة داخل المدن وفي الأحياء السكنية، وعلى الطرق المحلية التي تربط بين المدن والقرى 90كم/ساعة،وعلى الطرق السريعة 120كم/ساعة.
أيا معشر الشباب،لقد وصلنا إلى واقع يشتعل منه الرأس شيبا،إذ الإحصائيات التي تشير إلى معدل الوفيات والإصابات بسبب الحوادث المرورية.
وإليكم إحصائية أعدتها شرطة عمان السلطانية:
في عام 2017 تم تسجيل ما يقارب(2738) حادثا؛ نتج عنها (466) وفاة، و(2341)إصابة.
وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة (53%) من حوادث السير سببها السرعة الزائدة التي تشكل العامل الأول في ارتفاع معدل الوفيات؛ إذ ذكر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات وفاة (378) شخصا بسبب السرعة.
تاللَّه إنها إحصائيات تقشعر لها الأبدان،ويلجم الفاه قسرا عنه حيالها،آه وألف آه أقولها،واحسرتاه على واقع ضرب سيفه؛ ليدمي القلوب،لقد ضقنا ذرعا وبح الصوت بهتافه اللامسموع عن تفاقم معدل الحوادث المرورية.
فيا من تقود وتسرع،والنتيجة أنفاس بالموت تُقْطَع،وأعين تفيض وتدمع،أوليس في تلك الحوادث عبرة؟ فإلى متى سيظل الصوت بلا صدى؟ والقول بلا عمل؟
أعيروني قلوبا واعية،وآذانا مصغية؛لأضع لكم صندوق التوصيات الذي يحوي العديد من النصائح، سأتلوها عليكم:
أولا”لنكن يدا بيد للحد من الحوادث المرورية”فالمسؤولية لا تقتصر على جهة معينة بل تشمل الجميع،وعلينا ألا نصادم تلك الجهات ونمزق أنظمتها و قوانينها المرورية. ثانيا “لا تسرع فالموت أسرع” التزم بالسرعة المحددة فهناك قلوب تنتظرك، فلا تمزقها بنزوة هوجاء أو سرعة رعناء، وعلى قائد المركبة أن يكن متأهبًا إذا بُغت في طريقه بما لم يتوقعه من أخطاء الغير. واعلم أنَّ :”قرارك يحدد مصيرك”فكل قرار تصنعه هو مصير حتمي لنفسك ولغيرك، فإما أن تجعل من قرارك مصيرًا كالنور وإلا فمصيرا يجعلك ملوما محسورا، وتذكر أنَّ: “حياتك أمانة “.
وختاما، لواقعنا هذا عضضتُ أناملي وقرعتُ سني، وبكى البيان مسطرا عبرةً وعظة وزاجرا لكل من زينت له نفسه اقتحام هذا المضيق،فسلك سبيل المتهورين الهالكين، فالسعيد من وعظ بغيره،والهالك من هلك نفسه باتباع الهوى؛فخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

























