مكونو من نافذة غرفتي
يوسف المزروعي
قبل الحالة المداريّة بأيام كانت الاستعدادات كثيفة والرسائل والصور كذلك، ولكن ظروف عملي منعتني من متابعة تفاصيل الأخبار كافةً، وقبل الاعصار بيوم أخطرتني جهة عملي بعدم المغادرة إلى بلادي والبقاء في صلالة نظرًا لأن الحالة الجويّة قادمة ويجب أن أبقى حفاظَا على سلامتي. بينما كنتُ في طريقي لمحلّ التسوق لحظت الانتشار الكثيف للمركبات العسكرية والحكومية، وكانت العَجلة طافحةً على وجوه الجميع، وأثناء ذلك تقع عيني على زميل سابق، ولكن لفرط انغماسه في أفكاره لم يتنبّه لمروري جانبه. أدخُل بعدها للتبضُّع فأرى عربات المشتريات الممتلئة تتزاحم على طاولات المحاسبة.. وعلى عكس تخمة الشراء التي حلّت بالأغلب فإن بعضهم تقتصر مشترياته على حليب أطفال وأشياء أخرى ربما ضرورية يحملها في يده، أما أنا فقد اشتريت المعجنات الخفيفة الجاهزة والعصائر لأدير بعدها مقود سيارتي نحو شقتي.. وبعد أن استلقيت وفرغت من ترتيب أفكاري اتّخذت قراري بالبقاء وملازمة شقّتي فأنا أسكن في شقّةٍ تقبع في الدور الثالث من بناية مطلّة على الشارع. رتّبت جدولي للاستعداد سريعًا وسحبت سريري ليكون على مقربة من النافذة لكي لا يفوتني شيء مِمّا سيحدث. قناة عُمان تنقل الحالة مباشرة بكل تفاصيلها، وأشعُر بالرضا إزاء أداء المذيع وادارته للبرنامج؛ إذ أنه يجيب على كافة الأسئلة التي كانت تشغلني من خلال مناقشات ومقابلات كثيرة وتقارير مفصّلة . وأنا مُتمدِّد على السرير قرب النافذة غلبني النعاس، ولكن أيقضني صوت المطر مداعبًا حوافّ النافذة بهدوء وخجل.. الجو جميل والهواء يشبه خريف مبكر آتٍ، ولكن خلال ساعات فقط تزداد شدّة المطر وصفير الرياح يبدو واضِحًا جدًا وقت أن أصبح الإعصار يبعد مئة كيلو متر عن اليابسة. لم تتوقف الأمطار لحظة وصول الإعصار؛ بل على العكس فقد زادت بازدياد الرياح.. تنهال الرسائل من الجميع بالدعاء لأهالي ظفار والوسطى، والكهرباء تنقطع ثم تعود مرة أخرى، ومن النافذة حركة السيارات تكاد تكون معدومة وشارع خالٍ عدا من سيارات الشرطة والدفاع المدنيّ مُمشِّطةً الطرق ذهابًا وإيابًا.. قوّة الأمطار والرياح تشتدّ وتتطاير معها الأوراق والألواح الخشبية. تفصِلنا ساعتين فقط عن عين الإعصار.. أنظر لما هو في الخارج وأُحدِّث نفسي، كيف للرياح أن تبدو أشدّ مِمّا هي عليها الآن؟ تطول فترة هطول الأمطار وأنا الذي لم أعتد هذه الأجواء ما زلت أراقب؛ حيث أن أقصى مدّة لهطول الأمطار عايشتها كانت نصف ساعة فقط. نشهد بعدها انقطاعًا مفاجئًا لتيار الكهرباء، ومزيدًا من سحب سوداء كثيفة تغطي المكان مصحوبة برياح تعصِف بقوة شديدة؛ فيحلّ الظلام مبكرًا. يتلبّسُني شعور غريب جدًا والقشعريرة لا تكادُ تفارقني.. ظلام.. مطر شديد.. رياح عاصفة وصفير.. الارسال يتقطع.. صوتُ دوي الرعد كان قويًّا جدًا لدرجة البكاء والمطر يضرب النافذة بشدة لدرجة تنعدم فيها رؤية الشارع بشكل تام.. أرفع صوتي مستغفرًا ومكبِّرًا فتهدأ نفسي قليلًا. وقت الاعلان عن ساعة الصفر (عين الإعصار) يصيبني الندم الشديد على قرار البقاء ومراقبة الحالة الجويّة رافضًا لكل الدعوات من الأصدقاء بالبقاء معهم أثناء الأنواء، خبر وفاة الطفلة يزيد وضعي سوءًا ويجعلني أبكي كالأطفال، وهذه ليست مبالغة بالمناسبة، فمن عايش الوضع نفسه سيُحِسّ بمثلما أحسست به بل وأكثر. يضطرّني الطرق القوي على النافذة بالرجوع للسرير بسرعة فالالتصاق بالجدار الأبعد في الغرفة عن النافذة.. يواصل المطر انهماره وتخشوشن ملامحه التي اعتدتها بالأمس تفرحني واليوم تبكيني. بعدها يهدأ الجو للمرّة الأولى منذ ساعات متواصلة لكنّ الطنين في أذني ما يزال باقيًا. أستجمع قواي وأتقدمّ نحو النافذة وأشاهد ما لم أكن لأتوقعه، فالماء يغطي البقاع كلها تقريبًا وتبرز بصعوبة الأشجار التي كانت فراعة الطول وشامخة منكسرةً وخاضعة. أستأنِف تعرُّفي على الشارع والحيّ الذي بالكاد استطعت التعرُّف على معالمه. بعد انتهاء الحالة تسمّرتُ ساعات طويلة على النافذة متمعِّنًا في الشارع والدموع لا تكاد تفارق عيني شاكرًا الله تعالى الذي أمدّني وعمان بعمرٍ جديد.. آلمني سقوط الأشجار وتكسّر الممتلكات العامة والأضرار الكثيرة التي تسبّب بها الإعصار وأعظمها الأضرار البشرية فكلّهم إخوتي. في هذه الأثناء أعودُ لأتذكّر مشاعر الخوف التي كانت تسكن جسدي كله وقت حدوث الإعصار ، ولكن سماع صوت سيارات الدفاع المدنيّ والشرطة أمدّني بالطمأنينة والهدوء. لم أكن لأتصور يومًا أن حُبّي لعمان وخوفي على كلِّ شبرٍ فيها سوف يصل لهذا الحدّ أقول هذا وأنا أستجمِع إحساسي بالفخر والانتماء لهذا الوطن العظيم الذي يتكاتف كل من عليه شعبًا وحكومةً في روح الجسد الواحد لأجل أن يظلّ سالمًا وآمنًا ومعافى.



























