الصحوة – شريفة التوبية
في عصر الفضائيات والغُرَف الإلكترونية المُغلقة على أصحابها والمفتوحة على عموم الشارع، وفي عصر النوافذ والشرفات المغلّفة بزجاج عازل، والمشرعة بالمجّان في مواقع التواصل الاجتماعي، يطيب للبعض أن ينشر غسيله لا ليجف، ولكن ليراه الجميع، ويطيب للبعض من لا يملك صوتًا أن يصرخ كما يشاء دون أن يقول شيئًا، ويطيب للبعض أن يلعب دور البطولة وهو لا يملك أسبابها، وأن يصبح مرئيًا من خلف زجاج الشاشات في الأجهزة المحمولة متلهفًا للعيون التي ستراه، ومنصتًا للأيادي التي ستصفق له، ولست أعيب الزمان ولا التكنولوجيا ولكن أعيب كيفية التعامل معها، فهذه المواقع كما قرّبتنا من بعضنا لكنها عرّتنا وكشفتنا على حقيقتنا، وأظهرت هُزالنا وعيوبنا. فهذا النشر المجاني والمتاح لكل من أجاد النقر على حروف لوحة المفاتيح، جعل البعض يظن أنه كاتبًا عظيمًا أو منظّرًا أوفيلسوفًا، رغم أنه ليس أكثر من (فاشينيستا) استعراض أوفتّوة كلمة، وليسوا إلا فيالق من الحمقى كما وصفهم أمبرتو إيكو؛ لكثرتهم وتزايد أعدادهم يومًا بعد يوم، حتى ارتفعت نسبة السخافة أمام الكتابة الجادة، وانتشرت الهلوسات المرَضَية أمام الفكر المتزّن.
ولأن كل شيء مُعدٍي، كذلك الحماقة معدية والسخافة معدية، أصيب الكثيرون بالعدوى ولم يتلقوا علاجًا للتخلص من تلك العدوى المتمثلة في تلك الرغبة المحمومة للظهور، وتلك اللهفة لعدد الإعجابات على المنشور وإن كان سخيفًا وعلى الصورة وأن كانت مستعارة، وتكاثر جمهور الحمقى ووجدوا فيهم قدوة فاسدة ومثلاً سيئاً، فعشقوا الفساد وأحبّوا السوء، حتى لتكاد تشعر كم أنت غريب وسط هذا الموج المتلاطم من السخافات والحماقات! التي تُغرق وتجتاح هذه المواقع الافتراضية، وتتعجب من تلك الجماهير التي تهلل وتتدافع لمتابعة امرأة تصرخ وتلعن الرجال وتسبّهم وكأنهم أعداء أهل الأرض، وإنسان خلقه الله ذَكَرًا وقد زجج حاجبيه وصبغ شفتيه ونافس النساء في زينتهن، أو أخرى تبتذل نفسها ابتذالاً في عرض رخيص، كنّا بالأمس نعدّه مخلاًّ بالحياء والأخلاق، لكنه اليوم أصبح فنّاً وموضة وحرية لا نملك أمامها إلا أضعف الإيمان وهو الصمت.
المؤسف أن الأمر لا يقتصر على تلك الفئة والتي ربما تمارس دورها بسذاجة، لكن ظهور فئة أخرى من الحمقى أخطر من الفئة الأولى وهم أولئك الذين يلعبون اللعبة بحماقة وجبن، فئة فتوّات الكلمة الذين يجندون كلماتهم لبثّ الحقد والضغينة داعين للفرقة والشتات مستخدمين الكلمة كنوع من الاستعراض البطولي الزائف، فيخالون أنفسهم أبطالاً لمجرد أن يجعلوا الإساءة مادتهم التي يبنون عليها مجدهم المتوّهم، فمثل هؤلاء يسعدهم صوت الفرقعة التي يظنون أنهم سيحدثونها في مجتمع آمن، كطفل يمسك بمسدس مائي، يرشّه بطريقة عشوائية في كل مكان غير آبه بمن يصيبه البلل، ولعل مثل هذا الطفل سيتمادى لو لم يجد من يردعه، باعتبار أنه طفل، فهكذا هم بعض البشر أطفالاً وأن غزا الشيب مفرق رأسهم، مرضى وأن بدو يرفلون في ثوب الصحة، ومثل هؤلاء يستمتعون بتلك الفرقعة المؤقتة وبذلك الطفو السريع على سطح الموجة، وأن يكون اسمهم مرددًا في المجالس بكل ما فيه من تشوّه، فلا شيء يهمهم قدر أن يكونوا مرئيين في منشورات فارغة من القيمة.
آمنت أن كل ذلك حرية شخصية، وليس من حق أحدٍ المساس بها، ولكن هذه الحريات تجاوزت حدودها إلى حد الأذى في تشويه الطبيعة وبث الأسقام الأخلاقية في المجتمع، فما ذنب هذا الفضاء أن يتلوث بما ينشرون من غثّ، وما ذنب هذه الحياة لأن تمتلىء بكل هذه الحماقات، فما أن تفتح هاتفك حتى تجد نفسك محاصر بهم في إعلانات رخيصة مروّج لها ومدعومة، ولن تتخلص من هذا الحصار إلا أن تغلق تلك النوافذ الموبوءة وتنجو بنفسك من الإصابة.
إنه زمن قوي فيه من يصمت، وشجاع فيه من يعتزل، وحكيم فيه من يتجاهل هذه الفئات وينبذها ولا يمنحها أكثر من حجهما الحقيقي، ففي عصر التواصل الافتراضي والنشر المتاح والمباح لا تلم أولئك الحمقى بل لم نفسك أنك لم تتوقف حتى الآن عن متابعتهم، أليس القابض على دينه ومبادئه كالقابض على الجمر؟ إذن اقبض على الجمرة حتى تحترق أو تنطفئ..



























