الصحوة – خالصة العوفية
حين ظهرت حركة القوميين العرب وبدأت تنتشر على إمتدادالساحة العربية منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، كانت كثير من الدول العربية تحت حكم الاستعمار والوصايا الأجنبية ، وكان الشارع العربي ناضجاً بما فيه الكفاية للثورة على الإستعمار ، وكان هذا الإستعمار بظلمه ونهبه وبطشه وجبروته ووصايته ورعايته وحمايته للكيان المحتل والغاصب الصهيوني للأرض العربية ، اهم أسباب نشؤ وولادة وتجذر وانتشار هذه الحركة وسواها من حركات التحرر العربي آنذاك ، هو ذلك الإستعمار وتلك الوصاية الأجنبية ..
وكان لهذه الحركة وما عليها من نتائج وآثار ، فبالرغم من الإيجابيات التي تمخضت عنها في استقلال بعض الدول العربية وتوحيد الصف العربي نحو القضايا العربية، إلا أنها شكلت بحد ذاتها أحد اوجه الصراع السياسي ، فطوّع الفكر لصالح السلطة القائمة ، واستبعدت وحُرّمت وجُرّمت التعددية الحزبية والفكرية ، الأمر الذي كانت من نتائجه تباطؤ النمو المعرفي في الفكر العربي والتنمية ، وحاد المفهوم نحو بروز أفكار ذات أبعاد مختلفة ، فتطورت الأحزاب القومية وفرزت واصطفت وفقاً لقناعات اعضائها، وبرزت اتجاهات جديدة من نفس الحركة مثل الناصرية والبعثية والماركسيّة التي صنفت هي الاخرى الى اكثر من مدرسة سياسية منها اللينينية والماوية والتروتسكية وحتى الستالينية .
وخلال العقدين الاخيرين من القرن الماضي بدأت أفكار القومية العربية تضمحل ويتم التخلي عنها او نسيان ثوابتها رويداً رويداً من خلال تنامي الفكر الغربي على الأيدلوجيات المتبناة من قبل القادة والزعماء آنذاك، وظهور الفكر الحداثي ومايسمى بالاحزاب الاسلامية ، مع وجود الصراعات السياسية والعسكرية بالمنطقة العربية، وخصوصاً مع التدخل الأمريكي في المنطقة العربية، وتباين المصالح والأهداف بين الدول العربية، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي مما جعل الصراع العربي- العربي هو الذي يحتل الواجهة، علاوة على بروز الجماعات الإرهابية ، والمنظمات والأحزاب والتيارات الشوفينية والعصبوية والطائفية في عدة دول عربية .
لقد استطاعت حركة القوميين العرب ان تحقق العديد من المنجزات لعل اهمها الى جانب مقاومتها للاستعمار قدرتها على النهوض والايمان بفكرة الوحدة وبالانتماء القومي نحو قضية الصف العربي وبالأخص القضية الفلسطينية ، إلا أنها جيلاً بعد جيل ذابت وانصهرت في آتون السيطرة المذهلة للآلة الاقتصادية لشركات الغرب الرأسمالي ، والتطور المتسارع للآلة وعصر التكنولوجيا والثورات الصناعية الجديدة علاوة على انتهاء مفكريها وقادتها حد الذوبان والانتهاء .
عندما قام الكيان الصهيوني في أرض فلسطين كان وفقاً لتوجه ديني في إنشاء دولة يهودية وذلك في عام 1917م والذي أعلنه وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرثر بيلفور بتأكيد دعم الحكومة البريطانية لتأسيس “وطن قومي” لليهود في فلسطين رغم وجود أقلية يهودية لا تتجاوز 5% من حجم السكان من الديانات الأخرى، وتوافدت المجموعات اليهودية من أوروبا وأمريكا وأفريقيا وغيرها لتشكيل هذا الوطن القومي، الذي بدأ يتضح رويداً رويداً بأنه مخطط ليس لإنشاء دولة وإنما لوطن قومي للعرق اليهودي، تضمنت التدابير لتحقيق هذا الهدف تعزيز الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتنظيم اليهود في الشتات، وتعزيز الشعور والوعي اليهودي من خلال وجود المنظمة الصهيونية العالمية التي بدأت تستفحل نتيجة الاستعطاف بعد ” الإبادة الجماعية لليهود” في الحرب العالمية الثانية أو ما تسمى الهولوكوست.
أصبحت القضية الفلسطينية هي قضية عربية بحتة للشعوب وحتى للحكومات العربية لاسيما تلك التي اقيمت على أنقاض الاستعمار ، في زمن القومية العربية، وصار الكيان الصهيوني هو العدو الأول للامة العربية قاطبة ، وآمنت أجيال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم تؤمن ايماناً مطلقاً بأن القضية الفلسطينية هي قضية تخصهم بشكل مباشر، والدفاع عنها واجب مقدس لايجوز التهاون او التقصير به ..
ومع استقلال دول إسلامية كباكستان واندونيسيا وبنغلاديش وماليزيا وغيرها بالإضافة لقيام الثورة الإسلامية الإيرانية، أصبحت القضية الفلسطينية هي ليست قضية عربية وحسب وإنما أصبحت قضية إسلامية، وخاصة بعدما بدأت القومية العربية بالتلاشي والخفوت ، فأصبح التضامن الإسلامي واضحاً من خلال العلاقات الدولية في صالح القضية الفلسطينية ومناهضة الكيان الصهيوني، ومع الجرائم التي يقوم بها الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني أصبح العالم على بينة بالقضية الفلسطينية فتوسع التضامن معها ومع حقوقها كقضية إنسانية، قتل الأبرياء وتهجير وتشتيت الأسر وهدم المنازل وحرق واغتصاب الأراضي هو ما يراه العالم من هذا الكيان الذي يجد مساندة من حكومات مؤثرة في المجتمع الدولي، ولأن العدل هو ما تطمح اليه الشعوب، فإن إنسانية الشعوب تقف في صف ظلم الكيان الصهيوني.
وفي الاحداث الاخيرة التي شهدتها الاراضي الفلسطينية المحتلة لاسيما مدينة القدس الشريف وحي الشيخ جراح فيها ، تباينت ردود الفعل الدولية حول الصراع الدائر هناك بحكم قدرة وحركة اللوبي الصهيوني على التأثير في القرار السياسي للعديد من الحكومات بعدد من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول التحالف الاوروبي ، وشكل المجتمع الفلسطيني بأطيافه وأحزابه المتعددة وفي كل بقاع الشتات في صف واحد يساندهم الأحرار والشرفاء في العالم ، الامر الذي أكسب القضية بعداً سياسياً جديداً خاصة بعد ثبات المقاومة الفلسطينية الباسلة في غزة، وتوافق الرؤى والأهداف وتكاتف الجهود بين فصائل وحركات المقاومة الفلسطينية ، ولعل ادراكهم وتخوفهم من أن قضية العرب التي رسختها حركة القوميين العرب قد تصبح قضيتهم لوحدهم بعد أن بدأت بعض الحكومات العربية في التخلي عنها من خلال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وظهور توجه إعلامي موجه من قبل بعض الدول العربية في شبكات التواصل الاجتماعي نحو التخلي عن القضية بذرائع واهية لأجل مآرب أخرى بضغوط أمريكية وصهيونية قد يستشرف لها المستقبل بنتائج وخيمة لم يحسن قراءتها.
أياً كانت هذه القضية وما تعنيه لنا، ستظل قضية فلسطين عامة والقدس على وجه الخصوص قضية عربية – إسلامية وإنسانية، فهي قضية تعني الانسان ، كل انسان قبل كل شيء واي شيء نظير مايمارسه ويفعله هذا الكيان الغاصب والمحتل بحق الشعب الفلسطيني .
الشعوب العربية لا تزال متمسكة بتضامنها وباعتبار ان القضية قضيتها ، بعقل باطن نابع من ايمانها بقوميتها الدفينة وعقيدتها الثابتة وبإنسانيتها القائمة على العدل ، ونحن في أرض السلطنة ستبقى هذه القضية لنا وليست للفلسطينيين وحدهم، فهي قضية كرامة وعزة ووطن لكل شرفاء العالم واحراره .



























