الصحوة – شريفة التوبية
بينما كنت أقف أمام ماكينة الصرف الآلي، خرجت امرأة من سيارتها وتركتها مفتوحة وعلى وضع التشغيل وبداخلها طفلة الصغيرة، وقفت المرأة بجانبي تنتظر دورها، مركزة على هاتفها ربما تقرأ بعض الرسائل أو تطالع وتقلّب في مواقع التواصل الاجتماعي. أقول لها احذري من ترك سيارتك بهذه الطريقة، فقد يسرقها أحدهم، واحذري أكثر من ترك طفلتك داخلها.
نظرت حولها ثم نظرت إليّ نظرة استغراب ودهشة لاقتحامي لحظتها وعالمها الافتراضي وتدخّلي ربما فيما لا يعنيني، ابتسمت ثم قالت:” هذا الكلام ما شيء منه، بعيد الشر كيه من يسرق سيارة عينك عينك”. قلت لها: يحدث، فاحذري، إذ لم يكن خوفاً على السيارة فخوفاً على الطفلة داخلها، فلا تأمني.
الغريب في الأمر أنه بدلاً من أكون الناصحة وهي المستمعة، توّلت هي زمام النصح والإرشاد، قائلة إنه ليس كل ما نسمع عنه صحيحاً وليس كل ما نقرأ عنه قد حدث حقاً، وأن هذا بعيد عن بلادنا، ولا يحدث إلا في الأفلام فقط، وأنه يجب عليّ ألا أضع مثل هذا الأمر في بالي لأن هذا قد يكون عامل جذب نفسي لمثل هذه الأمور، وعلى الإنسان أن يكون مؤمناً واثقاً أن لا شيء من هذا يحدث…..
كلام كثير قالته المرأة لدحض ما قلته لها، بحيث لم تترك لي فرصة لقول كلمة أخرى، وقد أكون كائن يكره الجدال خصوصاً مع هذا النوع من البشر الذين لا يغلبونك بقوة حجتهم، ولكن يحاصرونك بكثرة كلامهم ويحشرونك في زاوية خانقة.
آثرت الصمت مستأذنة منها لأخذ دوري في السحب، بينما استمرت هي في مطالعة وتقليب الصفحات في هاتفها. حينما أنهيت عملية السحب قالت لي وهي تأخذ دورها ” خليش كوول، وخلي عنش الوسواس تراه ما زين”. ضحكت في داخلي ولا أدري هل لعنت اللحظة التي تحدثتُ فيها معها أم أني لعنت الشيطان الرجيم عوضاً عن ذلك، وعيني على الطفلة التي ألصَقت وجهها على زجاج السيارة.
الآن كلّما قرأت أو سمعت عن حادثة سرقة سيارة أتذكّر تلك المرأة وسيارتها وطفلتها، هكذا تتم سرقة السيارات، وهكذا يستهدف الجاني ضحاياه وينتقيهم، ولا يمكن أن نقول إن ذلك لا يمكن حدوثه كما قالت المرأة، فذلك حدث ويحدث، وقد يكون أحدكم ممن يقرأ مقالي الآن، سمع أو عرف أشخاصاً تعرضوا لهذا النوع من السرقة.
المجرم متواجد في كل زمان ومكان، فما مجتمع يخلو من الجريمة، ومهما كان الأمان الذي نحياه لكن ذلك لا يعني بألا نتوخى الحذر، “المال السايب يعلّم السرقة “. نحن نعيش في عالم مفتوح، وقد تطورت الجريمة كما تطورت أشياء أخرى في الحياة، حتى كادت الجريمة أن تسبق القانون في تطورها، فماذا يضرّك لو أغلقت سيارتك وأنت نازل منها في محطة البترول أو إلى ماكينة الصرف الآلي أو المحل التجاري، ماذا سيثقل عليك لو أخذت احتياطاتك بدلاً من أن تفتح للمجرم أبواباً للسرقة، وماذا ستستفيد بعد وقوع الحادثة وأنت تستنجد برجال الشرطة وتبلغ عن الحادثة؟ سيتخذ البلاغ مجراه نعم وستعمل الجهة المختصة جهدها في ارجاع حقك إليك، ولكن ربما يكون الوقت قد فات، ولا ينفع لحظتها الحسرة والندم.
ولو فكّرت قليلاً لاكتشفت أنك كنت السبب وكنت الشريك في الجرم قبل أن تكون ضحية، وكأنك مهّدت الطريق للجاني وأعطيته مفتاح سيارتك ليسرقها. فما من شيء بعيد، الجاني متربص بك، وقد يكون أقرب إليك مما تتوقع، فما أكثر الأشياء التي نعتقد أنها لن تصيبنا وأننا في منأى عنها حتى نصبح أحد ضحاياها، فاحذر وأغلق سيارتك ولا تكن كووول أكثر من اللازم.




























