الصحوة – د.حمد بن ناصر السناوي
المطربة السورية ميادة الحناوي تقول في إحدى أغانيها ” وأنت مكتوب لك ، يا بختك ، نعمة النسيان ” .هذه العبارة جعلتني أتسائل ، هل النسيان نعمة ؟ لعل الشخص الذي يحاول الخروج من أزمة عاطفية يتمنى أن ينسى مشاعر الحب التي انتهت من قلب الطرف الآخر و يواصل حياته ، أن ينسى التفاصيل والأيام الجميلة التي انتهت ، لكن زيارة واحدة لعيادة الزهايمر تقنعك بأن النسيان لم و لن يكون نعمة ، بل إبتلاء من الله تعالى. أن ينسى المرء اسم زوجتة وأبنائه المقربين إلى قلبه، أن ينسى اسمه و ملامحه على المرايا ، ينسى كيف يعتني بنفسه ، تصبح ذاكرته كقرص كمبيوتر صلب تم محو محتوياته.
يقسم علم النفس الذاكرة إلى أنواع مختلفة ، فهناك الذاكرة الحسية حيث تساعد الحواس الخمس على عملية استقبال المعلومات، والمدخلات الحسيّة من العالم الخارجيّ وتحويلها إلى معلومات و شفرات ، فعندما تشم رائحة طعام يحترق في المطبخ مثلا ، تفهم أن عليك المسارعة لأغلاق الموقد، وعندما ترى سحبا في السماء تعي أنها ستمطر ، فدماغك قام بتخزين رائحة الحريق ولون السحاب و ربطها بمعلومات سابقة .
أما النوع الأخر من الذاكرة فتسمى الذاكرة قصيرة المدى ، فعندما أخبرك برقم هاتفي ، مثلًا فأنت تحتاج أن تتذكره فيبقى في ذاكرتك القصيرة دقائق معدودة ويمكن أن تنساه إذا لم تقم جاهدا بترديده أو كتابته أو تكراره ليتم تخزينه في الذاكرة طويلة المدى وهى مكان تخزين الأحداث والمعلومات لفترة أطول ليتم اسدعائها عند الحاجة إليها.
يعرّف علماء النفس النسيان على أنّه انعدام القدرة على استرجاع ذكريات من الماضي أو عدم تذكُّر معلومات جديدة وأحداث تحصل في الوقت الحاضر أو كليهما، وهذا النسيان قد يكون مؤقتاً، وقد يبقى لفترة طويلة و يزداد سوءاً مع الزمن، يحدث ذلك لأنّ المعلومات لم تعُد موجود في الذاكرة، أو أنّها لا زالت مخزّنة لكن لسبب ما لم يعد بالاستطاعة استرجاعها .
كما يقسم علماء النفس الذاكرة إلى ثلاثة أنواع ، ذاكرة الحقائق، و ذاكرة المشاعر والذاكرة الادراكية، فذاكرة الحقائق نخزن فيها المعلومات العامة، أن يوم الجمعه إجازة ، أن السيارة تحتاج إلى بترول، أن الجو يكون باردا في الشتاء و حارا في الصيف ، معلومات عامه تختزنها أدمغتنا و تساعدنا في تسيير حياتنا اليومية . أما ذاكرة المشاعر فتربط بعض الحقائق بمشاعر معينة ، رائحة الخبز تذكرني بطفولتي عندما كانت تعده أمي كل صباح رائحة العطر الذي كانت تستخدمه زوجتي في أول مرة نخرج فيها معا بعد عقد القران، في هذه المواقف يربط الدماغ إستجابة حسية ( رائحة العطر) بذاكرة معينة ( مناسبة عقد القران) و تلعب المشاعر دورا في ترسيخ تلك الذاكرة ، أما النوع الثالث من أنواع الذاكرة فتسمى الذاكرة الإجرائية والتي تساعدنا على قيادة السيارة دون الحاجة إلى التركيز في كيفية استخدام المكابح وعجلة القيادة ، وهي الذاكره التي تساعدنا إرتداء “المصر” مثلا دون الحاجة إلى النظر إلى المرايا ، وغيرها من المهارات التي نمارسها دون الحاجة إلى التركيز الشديد.
ختاما ، قد نتمنى أن تمحى الذكريات الأليمة من أدمغتنا لتبقى الذكريات السعيدة فقط، تسترجعنا فتغمرنا السعادة ، لكن لله في خلقه شؤون.



























