بقلم : محمد بن سعيد القري
التقيت قبل فترة بسيطة بأحد الزملاء السابقين، وأبحرنا في سفينة الذكريات التي جمعتنا والتي فرقتنا والتي تجمعنا مرة أخرى بين الفينة والأخرى. تتجاذبنا أمواج المشاغل اليومية لنسترق لحظات، نتحدث فيها عن كيف كنا وإلى أين وصلنا، وعن الأحوال، والأماكن، وعن الأصدقاء، عن الذين كنا برفقتهم ومن رحلوا إلى عالم آخر.
ومن بين الأحاديث التي طرأت على الساحة، موضوع الذكاء الاصطناعي الذي جربه “هو” في مجال عمله، بما أنه ما يزال يكتب الأخبار للمؤسسة التي يعمل فيها. مشيرا في ذلك إلى ما يمسى بالـ “جي بي تي تشات” قائلا لي بأن لدى هذا “الروبوت” قدرة على كتابة مختلف فنون الكتابة.
بالنسبة لي كنت قد سمعت عن الذكاء الاصطناعي كثيرا من قبل، وأنه طفرة مستقبلية قد تكون لها فوائد في مختلف القطاعات الصحية والاقتصادية والتعليمية والأكاديمية والإعلامية والصناعية والاقتصادية والاستثمارية والإبداعية وغيرها. وأنه ـ أي الذكاء الاصطناعي ـ يتعلم بشكل مستمر من خلال ما يجمعه من بيانات يتلقاها.
قبل أيام تابعنا قناة تبث “روبوت” شبيه بالإنسان يعرّف عن نفسه ويقرأ على شاشة التلفزيون أخبار الساعة، وربما لديه قدرة على الحوار مع الشخصيات وعمل التقارير التلفزيونية والمونتاج التلفزيوني والتصميم، وغيره الكثير من الأفكار الإبداعية والتي ستصبح حقيقة واقعية نشاهدها ونستخدمها بشكل اعتيادي. الذكاء الاصطناعي في تطور مستمر، وهذا المسار قد يأخذنا إلى آفاق واسعة كانت مجرد خيال أو مجرد حلم لا غير.
ولكن ما الذي يمكن للذكاء الاصطناعي فعله؟ فلنوسع خيالنا قليلا، هنالك أفكار بدأت بالفعل تنتشر وتغزو العالم بقدرتها بل وبما يمكن أن تحققه. ولنسرح قليلا: سيصبح هنالك “روبوت” يمكنه تلقي الاستفسارات من المستفيدين، والرد عليها، بل والمساعدة دون الحاجة إلى التواصل مع متلقي اتصالات إنسان.
سيصبح بإمكان “الروبوت” أيضا استخدام برامج التحليل والتدقيق ومعالجة المعلومات والبيانات لإيجاد الحلول التي يمكن الاستفادة منها للبحث ليس على الصعيد الشخصي بل قد ترتقي على مستوى المؤسسات الكبرى. وسنرى مهندس “روبوت” يستطيع تخطيط بيتك و”روبوت” مصمم و”روبوت” معلم و”روبوت” منسق وروبوت “مفسر أحلام” وحتر روبوت “لص” . ومن السهولة أيضا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لذلك ستطلب من “الروبوت” الطباخ إعداد وصفات لتحضير الطعام حسب ذوق الشخص متنقلا بين الطبخات الآسيوية والأفريقية والأوروبية والأمريكية وغيرها. وسيكون هنالك أطباء “روبوتات” بإمكانهم العمل على تشخيص حالة المرضى، وعمل جميع الفحوصات وعلاجها. هنالك أيضا “روبوت” يستطيع ابتكار الصور ومقاطع فلمية وبدقة عالية من خلال إدراج نص يتيح تحويله إلى صور ومقاطع.
واستطاع طلاب الكليات ـ في الوقت الحالي ـ الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في حل المسائل المختلفة في مختلف التخصصات العلمية وكتابة البحوث والدراسات.
وقبل أشهر طالعتنا وسائل الإعلام إلى ما قد يصل به الحال من تبني فكرة الارتباط بـ “روبوتات” ذكية، وكأننا نشاهد فيلما كوميديا تدور أحداثه بين زيجات بـ “روبوتات” تُبتكر حسب ما يتمناه الشريك من شريكه! بمعنى أن تأثيره الاجتماعي سيكون مخيفا، وربما خطيرا.
ولابد أن هذا الذكاء الاصطناعي بما يحمله من إيجابيات التعامل معه سيخدم الافراد والمؤسسات وربما الحكومات والأقاليم، وقد يعالج تحديات كثيرة في سبيل الحصول على نتائج ترضي الرؤى والسياسات والتطلعات والأهداف وخدمة الإنسانية والعالم أجمع.
إننا هنا نفترض إيجابيات الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يحدث مع أن التحديات أو سلبيات استخدام هذا الذكاء وخطورة استخدامه ستكون حاضرة بشكل أو بآخر، لذلك لابد من تحديد أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وأفترض أن ذلك ما يدور في خلد الكثير من الأكاديميين والمؤسسات وربما الحكومات، لتفادي ما يمكن تفاديه.
إن العالم وهو يشهد هذه الحقبة من التاريخ أمام منحنيات إبداع وابتكار لا حدود لها، فمن يتخيل بأن “الروبوت” أو هذه المنصات بإمكانها إبداع فنون أدبية مختلفة مثل إنشاء قصيدة، وقصة، وأن ترسم، وتصمم، وتساعد في تخطيط مشروعات هندسة الأبنية وغيرها. وقدرة “الروبوت” من استخدام برامج الحاسب الآلي مثل “الأكسل” في تحليل ومعالجات البيانات، وكأنه إنسان يفكر كيف يستفيد من تلك البرامج الإلكترونية لإيجاد الحلول بشتى الطرق. ولن نتحدث كثيرا حول ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي؛ لأن المسألة هنا واسعة النطاق، وربما أشرت هنا إلى الجوانب الإيجابية بشكل أكبر، إلا أن التحديات وخطورة استخدامه ستكون موجودة ويمكن أن تستغل بشكل سيء كعادة أي أداة أو اختراع أو نظام محوسب.
إن ما شد انتباهي في هذا الموضوع ليس موضوع الذكاء الاصطناعي وحده، بل هو حال الإنسان مستقبلا بشكل قد لا نتخيل مصيره. ذلك المستقبل الذي يخاف منه الكثيرون من سيطرة “الروبوتات” على حياة البشر بعد أن كانت تخدمهم، وما قد تؤول إليه الأحوال، والتي نتخيل أنها قد تصل إلى حدوث صراع مميت بين “الروبوتات الذكية” والإنسان نفسه في كثير من الأمور وكأننا نشاهد أو نمثل في أفلام الخيال العلمي.
وأتخيل أن من بين بوادر تلك الصراعات هو استحواذ “الروبوتات” في القريب على وظائف كثيرة يعمل فيها الناس حاليا والتي سيكتب لها مسارا مختلفا وربما اختفاء الكثير منها. فهل بدأت المؤسسات تعد العدة من أجل وضع منهج يستشرف مستقبل تلك الوظائف من منها سيأفل ومن سيبقى؟ مع ضرورة ارتباط سوق العمل بالتخصصات العلمية التي من المفترض أن تدرس أو لا تدرس؟ وهل ستخلق وظائف أخرى للناس؟



























