نورة بنت سيف المالكي
“أنا بخير” أكثر جملة رددتها الأديبة رضوى عاشور عند حديثها عن مرضها الخبيث في كتابها (أُثقل من رضوى)، وهو ما جعل عقلي يعود تلقائيًّا إلى المنشور الذي نشرته الشاعرة العمانية عائشة السيفية على حسابها في الإنستغرام غايتها رفع الوعي بين النساء في التعامل مع مرض السرطان كواقع، نقلته عن صديقتها التي كتبت المنشور الكاتبة العمانية بشرى خلفان؛ وهي تريد بذلك أن تطمئن أصدقاءها وقراءها بأنها بخير في مكان العلاج، هذا المنشور الذي شعرت عند قراءته للوهلة الأولى أنه يعود للكاتبة رضوى عاشور وليس لبشرى خلفان من شدة التقارب في اللغة المكتوبة التي يلفها الكبرياء العظيم في أشد حالات الإنسان مرارة، إذ تقول رضوى عاشور: (… لا أملك سوى تسليم أمري إلى الله ومواصلة الحياة بعادية، لأنني لست من جنس الأرانب ولا الفئران، بل مخلوق أدمي طَور على مدى آلاف السنين شيئًا ثمينًا اسمه الكبرياء)، وتقول بشرى خلفان في السياق نفسه: (أنا لست شجاعة ولست قوية، أنا ببساطة شخصية عملية، أدرب عقلي على التعامل مع الأشياء في خطوات، واحد اثنين ثلاثة .. خلصنا…).
إن كبرياء كل من رضوى وبشرى يتمثل في التشبث بالحياة إلى آخر رمق والتعامل مع المرض بحيادية كبيرة، لكن حينما يتعلق الأمر بالأقربين والمحبين والأصدقاء فكان التوتر هو سيد الموقف، فكلما كانت رضوى – وهي في رحلة علاجها – تتلقى مكالمات هاتفية من صديقاتها ترد: أنا الآن في متحف كذا أو معرض كذا وتشرح لهن ما تشاهده من لوحات فنية بديعة وتماثيل مدهشة، أو إن كانت في حديقة، تستعرض كلامها عن الحديقة وجمال تنظيمها وتعدد أصناف نباتاتها ثم تقول: أنا بخير، في محاولة لمداراة القلق أو مثلما ذكرت لصرف التفكير الذي قد يفتح لها أبوابًا موصدة، وكاتبتنا بشرى خلفان ترى في حضورها على مواقع التواصل صورةً وكلمةً في هذا الوقت تحديدًا ما هو إلا (… شيء يشبه التطفل على حيوات الآخرين ورغبة في أن يطمئن المحبون علي، أنا بخير. أنا بخير. أنا بخير).
لكن تعالوا إلى مشهد الدمعة التي كانت حاضرة في رحلة الكاتبين، مرة هنا ومرة هناك، فبشرى كانت تداري الخوف بالدمعة لا لأنها ضعيفة أو قوية بل لأنها كانت تتحين الكلمة المناسبة التي تبلغ بها عائلتها وبالأخص أباها عن إصابتها بالمرض: (… بعد ساعة اتصل أبي، ارتجف صوتي وأنا أرد على سؤاله: “أنتِ بخير؟” وقلت له: “أنا بخير” ودمعتي تسيل على خدي بصمت، معتذرة له عن سوء الخط وانقطاعاته التي أداري بها ضعفي أمام حنانه وقلق سؤاله…)، هو الانكسار ذاته حينما ارتدت رضوى قميص أمها القطني الأبيض وهي على سرير علاجها: (هل أتى لي القميص بأمي فانكسرَتْ تلك الغربة الغالبة التي أتفنن في تجاهل قسوتها؟ ربما).
أما الدمعة الأخرى فكانت تسيل من الخوف على فعل الكتابة الذي هو فعل الحياة الطبيعي لدى الكاتبتين فتقول بشرى: (… أرتجف من شدة الخوف كلما خطر في بالي بأن العلاج الكيماوي سيؤثر على قواي الذهنية فأضل الطريق ولا أعود إلى الكتابة أبدًا…) وتكمل، هذه النبرة المرتجفة المتقاربة جدًّا، الكاتبة رضوى قائلة: (نعم، كنت خائفة من الكتابة، أو خائفة من اكتشاف أنني غير قادرة عليها، أو ربما كان جسدي الأحد ذاكرةَ من وعيي ما زال مضطربًا من تلك المشارط التي راحت تقطع فيه من هنا وهناك، فبقي منكمشًا كحيوان مذعور يتطلع بعينين واسعتين، لا يغادر الزاوية التي يقبع فيها…).
ولكن أخبرك عزيزي القارئ: إن من يقرأ في روح الكاتبتين الجميلتين يرى في “أنا بخير” عودة الروح التي لا تعرف الانكسار ولا التوقف والأعذار، الروح المشغولة بالحياة حتى وإن كان هناك شبح يطاردها، إذ أنها لا تعرف مفردة الاستجداء بل تعودت على الاستشفاء واليقين، وتخشى على نفسها من الانكسار الذي لم يولد معها منذ البداية، فقد قالت رضوى عاشور عن سعد ونوس: (المرض يكسر الكبرياء وهذا أقسى ما فيه)، وختمت بشرى – في منشورها – ختامًا فيه كامل الحب للحياة : “…عودة إلى الأصدقاء الذين يحبونني جدًا ويخافون علي كثيرًا أنا بخير وبخير جدًّا. ورجاءً أجلوا التأبين والمراثي، فأنا لم أزوّج ناصر وعمر بعد، ومهمتي لم تنته”، فيا صديقي قل لي الآن: من هو أثقل من رضوى؟ ومن هو أثقل من بشرى؟




























